الصفحة 148 من 162

ويقول الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في عباد الله ليحققوا مآربهم الخسيسة في يسر وسهولة، دون أن يتعرضوا لثورة المجتمع ولا سيف القانون: إن الحياة تصير أبهج وأمتع حين تخرج المرأة إلى الطريق سهلة القياد طليقة من القيود. وإنه لكذلك. فإن ألوانًا كثيرة من الطعام لهي أشهى من لون واحد بلا جدال. ولكن ما القول حين تكون هذه الصحاف مسروقة، من كل بيت صحفة؟ وأنه لا يستمتع أحد بصحفة شهية، مسروقة من بيت آخر، حتى تكون الصحفة التي في بيته قد سرقت ليستمتع بها آخرون؟ أوّ كذلك يحبون؟ أم يخيّل إليهم الغررو أنهم حدهم يفتكون، وتبقى بيوتهم آمنة لا يسطو عليها الفاتكون؟

أم يريدونها علانية؟ كل واحد يحضر صحفته بنفسه ليلغ فيها غيره، في مقابل أن يلغ هو في صحاف الآخرين؟ إذن لقد عدنا إلى الفوضى الجنسية التي رأيناها في الغرب المنحل، ووجدنا أنها لا تحقق في نهاية الشوط تلك السعادة الموهومة التي كان يرجوها المستمتعون.

على أن للعادة شأنًا كبيرًا في ذلك. فإذا تعود الزوج أن يكتفي بزوجته، والزوجة أن تكتفي بزوجها، في نطاق المتعة المباحة، وأخرجا من حسابهما نهائيًا أن في الإمكان أن يسعى أحدهما إلى اللذة المحرمة أو يحصل عليها، فسيجد في الحياة الزوجية متعة كاملة تغنيه فلا يشعر بالحرمان:

والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع

لكن يقال: إن هذا النظام"المتزمت"الذي يفصل بين الجنسين يولد الكبت. وإن الشرق الإسلامي مكبوت لأنه لا يسمح بالاتصال الحرّ بين الرجل والمرأة. فمن أين نشأت هذه الأسطورة؟

إنها أسطورة حديثة لم تنشأ إلا بعد أن خرجت المرأة متبرجة إلى الشارع والسوق، وأصبحت فعلًا أو حكمًا في متناول الراغبين. ولم تكن موجودة قبل ذلك حين كان كل رجل يتزوج، وكل فتاة تتزوج، فيكتفي كل واحد بالآخر، فلا يشعر بالكبت والحرمان.

أما حين خرجت الفتنة إلى الطريق فقد وجد الكبت حقًا. لأن هذه الفتنة تستثير مشاعر محرمة في نفس المسلم (أو المسلمة) الذي تربى في ظل التعاليم الإسلامية. وهي ليست محرمة لأنها تتصل بالجنس، فقد مر علينا كيف يكرم الإسلام الجنس ويرفعه إلى مستوى العبادة. ولكنها محرمة لأنها تتصل بالفاحشة، بالجريمة التي لا يجوز أن تحدث. فكان طبيعيًا إذ ذاك أن ينشأ الصراع بين هذه الفتنة الجائحة في الخارج، وموانع التحريم في الداخل، لا لأن هذه الموانع هي المخطئة، وهي التي ينبغي أن تزول، بل لأن هذه التقاليد المنحلة هي الخطأ الذي يجب أن يزول. ومناط الحكم في هذه القضية ليس هو العواطف الهائجة والشهوات الجارفة، وإنما هو التحقيق العلمي الصحيح في أي الوضعين أسلم لبنية الفرد ذاته، وأكثر تحقيقًا لسعادته الفردية في نهاية الشوط. وليس أمام العلم النزيه إلا جواب واحد، حين يمسك بالقضية من جميع أطرافها، وينظر إليها بعين الأجيال كلها، لا بعين جيل واحد محدود.

وقد عرف الإسلام هذا الجواب الواحد قبل ألف وثلثمائة عام، وما زال هديه هو الصحيح على مر الأعوام.

وحين يبيح الإسلام المتاع الجنسي في نطاق الزواج وحده، ويحرمه في خارج هذا النطاق، تنشأ مشكلة الشباب الذي لم يتزوج بعد.

وهي مشكلة ما في ذلك شك. وكلما تعقدت الحياة الاجتماعية والاقتصادية، في ظل الحضارة الغربية، زادت هذه المشكلة تعقدًا وعنفًا. وقد كان الشغل الشاغل لعلماء النفس والاجتماع في الغرب هو الاهتداء إلى حق معقول لهذه المشكلة الخطيرة؛ وكان الانحدار العنيف الذي انزلق إليه الغرب نتيجة للاتجاه إلى حل خاطئ، والسير فيه إلى أبعد الحدود، لأن هذا الحل بطبيعته لا يعرف القيود والسدود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت