الصفحة 147 من 162

بل أكثر من ذلك أن الفتاة ذاتها قد لا تتطلب العفة في الرجل الذي يتقدم إليها، كما يتطلب هو العفة فيها. وكأنما تريد أن تطمئن إلى أنها تهب نفسها لرجل قوي، قد تحققت قدرته فعلًا، بالتجربة العملية. وفي الوقت ذاته كأنها تجد إرضاء لغرورها أن تستولي على شخص له قيمة في نظر الأخريات، لتشعر أنها أكثر منهن جاذبية وأقدر على الاستيلاء. أما الرجل"الخام"كما تسميه، فهو صيد سهل لا يحتاج إلى براعة، ولا يثبت الكفاءة للفتاة التي تستولي عليه. وكلما زادت تجارب الرجل، وزاد عدد النساء اللواتي تخلص من أسرهن ليقع في أسرها، كان ذلك أدل على جاذبيتها وأبلغ في تحقيق ذاتيتها. ولكن الإسلام كان أعرف بمصلحتها، وأكرم عليها حتى من نفسها، حين جعل أوامره واحدة للجنسين:"قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ"."وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ". وحرم على الزاني أن يستمتع بالمرأة الطاهرة:"الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ، وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ"فضمن لها أن تطمئن إلى أن الرجل الذي تمنحه نفسها لم يتلوث من قبل: لا جسده ولا نفسه ولا ضميره. ولم تترك فيه التجارب الماضية تلك الجروح والندوب التي قد تحتجز جزءًا من مشاعره، فلا تكون خالصة لشريكة حياته. وهكذا يرتفع الإسلام بالمشاعر البشرية عن مستوى الحيوان، وهو يحافظ في الوقت ذاته على فطرة الإنسان.

ومن الشبهات كذلك، القول بأن الرجل في ظل الإسلام أكثر استمتاعًا بالحياة من المرأة، لأنه يخرج إلى الشارع، بينما يقال للنساء"وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ". وفي ذلك القول كثير من المغالطة، فإذا كان الرجل يجتمع بزملائه من الرجال في الخارج، فالمرأة تجتمع بزميلاتها في الزيارات التي يتبادلنها على الدوام. وإذا كان القصد استمتاع الرجل بصحبة النساء في الخارج فمن أين تتاح هذه المتعة حين يحرم على كل أنثى أن تخرج متبرجة، أو أن تبدي زينتها للآخرين؟ إنه لن يجد الأنثى التي يستمتع بها في الخارج، ما دامت كل امرأة في بيتها مخلصة لزوجها وأسرتها. إنما توجد المتعة الزائدة للرجل إذا خرجت المرأة إلى الطريق. أما حين يطيعان كلاهما أوامر الإسلام، فسيكونان سواء في المتعة المباحة وسواء في الحرمان.

فلم يبق إذن إلا أن يكون الشارع في ذاته، لا بمن فيه من الكائنات، متعة يظن أن الرجل يستمتع بها وحده، ولا تشاركه فيها المرأة في ظل الإسلام، فإذا كانت المرأة ترى الشارع متعة مغرية فالإسلام لم يحرمها أن تخرج إليه. ولم يمنع أن يشترك الزوجان وأولادهما في نزهة أو زيارة. ولكنه منع فقط أن تتبرج في خروجها، وأن تنطلق من عقالها لتغري هذا وذاك. وقد بينا حكمة هذا المنع، وضرورته لحماية المرأة ذاتها من أن تختطق رجلها امرأة أخرى أكثر منها إغراء وفتنة، سواء كان هذا الرجل زوجًا بالفعل أو خطيبًا، أو مرجوًا لهذا وذاك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت