الصفحة 156 من 162

فإن فرويد يقول، نقلًا عن دارون، إن مجتمع الثيران يحدث فيه ما تخيل حدوثه في مجتمع الإنسان. فتنطلق الثيران الفتية الشابة تريد أن تنزو على أمها وتستخلصها من الأب المسيطر عليها. فيبدأون أولًا، كمجموعة، بقتل أبيهم (ولا يصيبهم الندم على ذلك) ، ثم يقتتلون فيما بينهم (لا تمنعهم الأخوة ولا يحدوهم دافع مشترك) حتى يموت الضعاف منهم ويبقى واحد قوي يستولي على البقرة التي كانت موضع النزاع.

أما الإنسانية الأولى كما رسمها فرويد نفسه، فقد ترفعت عما يفعله الحيوان، فأحست بالندم، وربط بينها شعور التعاون، واستطاعت أن تضبط نزوات الانفعال.

ونحن لم نقل أكثر من ذلك، وما نريد أن نقول أكثر منه!

فذلك حسب أي إنسان يريد أن يؤمن بالإنسانية، ويرتفع بها عن قيود الضرورة ونزوة الغريزة.

إن هذا الاعتراف الذي أقر به فرويد دون أن يدري، ليهدم كل ما أقامه بعد ذلك من نظريات ملوّثة، وتصميمات خبيثة. فهو ينفي الجبرية النفسية إذ يقر بالإرادة الضابطة التي امتنع بها الأولاد عن غشيان أمهم. وينفي أن كل مشاعر الإنسانية غريزية، إذ يقرر إحساس الأولاد بالندم على ما صنعوه بدافع الغريزة. وينفي أن القيم الأخلاقية مفروضة على الإنسان من قوة قاهرة خارج نفسه، فهذا الندم ذاته قيمة أخلاقية، أحس بها الأبناء تلقائيًا لحظة انتهائهم من الجريمة.

فمن هذا الظلام الهابط الكريه يشاء الله أن يخرج بصيص من النور!

وليست هذه هي الحقيقة الوحيدة التي انزلق فرويد إلى الاعتراف بها على غير قصد منه. فقد جعل يبدئ ويعيد في نظرية لتفسير السلوك الإنساني مؤداها أن كل مشاعر البشر ثنائية الطبيعة والاتجاه. فاللذة يصحبها بطريقة ذاتية شعور الألم. والحب يصحبه الكره. والرغبة يصحبها النفور. لا لأن هناك أسبابًا موضوعية للشعور المضاد، ولكن لأنه هكذا خلقت"الطبيعة"الإنسان. ففي اللحظة التي يولد فيها الحب ينشأ الكره تلقائيًا تجاه الشخص أو الشيء المحبوب! بل الغالب أن يكون الكره هو السابق في الظهور! وكلما اتسع نطاق الحب. اتسع نطاق الكراهية في ذات اللحظة حتى تشمل نفس الميدان الذي يشغله الحب. ولكن لما كان من المستحيل أن يحتل الشعوران المتضادان منطقة الشعور، فإن الحب يظهر على السطح، وتكبت الكراهية في اللاشعور! والحياة كلها في نظر فرويد قائمة على الكره المكبوت الذي يوجه المشاعر على غير وعي منها، ويؤثر كذلك في الأعمال. ومن هذه الكراهية، أو بالأحرى من الصراع الدائر بين الحب الظاهري والكراهية المكبوتة، نشأ الدين والحضارة وتقاليد المجتمع .. وكل مظهر من مظاهر البشرية!!

وهو يقرر هذا المبدأ في معظم ما يكتب، ويتحمس في إثباته، ليقرر في ذهن قارئه أنه حقيقة لا تقبل النقاش. ولكن الله يشاء أن ينزلق قلمه في سطرين اثنين من كتاب، فيقرّ بحقيقتين هائلتين تهدمان هذا المبدأ من أساسه. فهو يقول في كتاب"Totem and Taboo"ص139:"إن الكراهية التي تنشأ في نفس الولد نحو أبيه من منافسته على أمه، لا تستطيع أن تستولي على نفسه دون أن تتعرض للمنع والحجر. فإن عليها أن تصارع الحب والإعجاب اللذين نشآ قبل ذلك في نفسه تجاه الشخص ذاته" (أي تجاه الأب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت