فهو يقرّ هنا أولا بأن للكراهية أسبابًا موضوعية، هي المنافسة على الأم، وأنها لا تنشأ نشوءًا ذاتيًا من الحب، ودون تدخل أية عوامل أخرى، كما أراد أن يقرر في غير هذا الموضع. ويقرّ ثانيًا بأن الحب سابق في ظهوره على الكراهية. وأن الكراهية التي تنشأ متأخرة تصارع هذا الحب الموجود من قبل (أو old established كما يقول) . وذلك فضلًا عن إقراره بحقيقة ثالثة لا تقل أهمية عما سبق، وهي أن الذي يصارع الكراهية ويكبتها ليس قوة خارجية قاهرة، وإنما هو شعور أصيل في داخل النفس، هو الحب الذي ينشأ سابقًا للكراهية. وذلك كله على فرض صحة وجود الشعور الجنسي بين الولد ووالدته، وهو وَهْمٌ ليس عليه دليل.
ونحن لم نقل أكثر من ذلك، وما نريد أن نقول أكثر منه!
فذلك حسب أي إنسان يريد أن يؤمن بالإنسانية، وبأن المجتمع الإنساني يمكن أن يعيش على مشاعر الحب والعطف والرحمة، حين يظلله نظام يخفف إلى أقصى درجة ممكنة أسباب الكراهية التي تنشأ من الصراع.
لسنا إذن واهمين حين نؤمن بالقيم العليا، والنصيب الذي تقوم به في الحياة.
ففي النفس الإنسانية منذ فجرها الأول، بل في ظلماتها الأولى قبل أن ينبثق عليها النور، وفي أسوأ صورة رسمت لها في وهم بشر، نجد البذور الأولى للقيم العليا من خلقية واجتماعية وإنسانية.
وقد مر على ذلك دهور طويلة لا يعرف إلا الله مداها، ولكن قومًا يعدونها بملايين السنين. وفي خلال تلك الدهور تطورت الإنسانية وارتفعت مشاعرها وتهذبت طباعها. وقامت الحضارات المختلفة، والرسالات السماوية المتعاقبة، وظهر في البشرية أنبياء ومصلحون حققوا هذه القيم العليا في أشخاصهم، ودعوا إليها من يستمع لهديها ويقدر عليها. فاتبع النور كثيرون، منساقين إليه بدافع من نفوسهم، متطوعين بالخير غير مقهورين عليه.
فنحن أولى اليوم وقد تحضرنا -والغرب يزعم أنه متحضر- أن يزيد إيماننا بالقيم العليا والعمل من أجلها. أمام حين ننكرها، ونقول عنها إنها أوهام وخرافات، فلنكن على يقين من أننا ننتكس إلى أسفل، ولو حطمنا الذرة، ولو استعمرنا القمر وذهبنا إلى المريخ.
إن هناك وهمًا صارخًا يستولي على أفئدة الناس في الغرب، ويتسلل إلى المستعبدين في الشرق فيملأ في نفوسهم من تفاهة وفراغ. إنهم يظنون أن العظمة العلمية تستتبع حتمًا أن يكون"الإنسان"كله قد ارتقى. فلا بد إذن أن تكون الأخلاق والعادات والتقاليد الموجودة في عصر الذرة، أفضل من مثيلاتها في العصور السابقة، التي لم يكن العلم فيها قد وصل إلى هذه الأسرار!! وما دام الناس اليوم لا يؤمنون بإله، ولاي تبعون قواعد الأخلاق، ويستبيحون الفوضى الجنسية، وينكرون القيم العليا ويعتبرونها خرافة، فلا بد إذن أن يكون هذا كله هو الحق، لأن هذا هو عصر العلم والنور والحقيقة!
فأية خرافة أكبر من هذه الخرافة التي يعيش فيها هذا الجيل من البشرية؟
إن المقياس الحقيقي لعظمة الإنسان ليس هو جهاز الراديو أو التليفزيون الذي يملكه، ولا السيارة التي يركبها، ولا جهاز الغسيل الآلي، ولا القنبلة التي يدمر بها الحياة على وجه الأرض ... وإنما هو أثر ذلك كله في مشاعره وعواطفه، وكيانه النفسي على وجه العموم، فإذا كان يصل به إلى فكرة عن الإنسانية أوسع وأشمل، وفكره عن الحياة أكبر وأرفع، فقد ارتقى الإنسان حقًا بكل ذاك. أما إذا كان يضيّق مشاعره إلى نطاق الأنانية المرذولة، ويعكف به على ملذات الجسد الملهوفة، فقد انحطت البشرية رغم هذا البريق الذي يخطف الأبصار ...