وطالما كان الأمريكان يعاملون الزنوج -الذين يتحدثون معهم في اللغة والدين والوطن- هذه المعاملة المزرية بكرامة الإنسان. والإنجليز يعاملون المستعمرات معاملة مصاصي الدماء، ويقيمون لافتات على محلاتهم كتب عليها"للبيض فقط". والفرنسيون يعاملون الشمال الإفريقي -وهم الدخلاء فيه- معاملة المجرمين [1] . والروس يعاونون في إقامة إسرائيل، على أساس الدين وحده، مخالفين كل مبادئهم ودعاياتهم، لتكون سندًا لهم ضد الإسلام في هذه المنطقة من الأرض، ويبيحون لأنفسهم بالأمس أن يفتكوا بعشرات الألوف في المجر وبولندا ..
طالما كانت هذه المبادئ التي يسير عليها الغرب، وتلك هي المشاعر المسيطرة على أهله، فكيف يزعم أحد أنه ارتقى، ولو بنى الأساطيل وأقام المصانع ووصل إلى الأفلاك؟ إنما مقياس الرقي البشري هو الطريق التي يعامل الإنسان بها أخاه الإنسان. ولكن المحك في ذلك ليس معاملة الإنجليزي للإنجليزي مثلًا، حيث يتدخل القانون، وتتحكم القوة المتكافئة في تحديد العلاقة، وإنما هو معاملة الغربي للآخرين الذين لا يملكون السلاح، ولا يجدون في الوقت الحاضر القوة المكافئة. فهنا يبرز الشخص على حقيقته الكامنة وراء القشور والأصباغ، وينكشف مدى إيمانه الحقيقي"بالإنسانية"!
وحين يؤمن الغرب بذلك يكون قد ارتقى حقًا. ولكنه لن يؤمن حتى يغير نظرته للأحياء والحياة والأشياء. ويقيم فلسفته على أساس آخر غير البراجماتزم، أو غير الغاية النفعية للأعمال.
وإنما ينكر الغرب كل القيم العليا، ويؤمن بالمادية النفعية، بسبب ظروف البيئة الأوربية التي جعلت شعوبًا مختلفة تزدحم على رقعة ضيقة من الأرض قليلة الخيرات. فأصبح الصراع هو الغالب على طبائعهم، لا التعاون والحب. وصارت تسيطر على مشاعرهم تلك الواقعية المادية التي لا ترتفع عن محيط الأرض وعالم الضرورة. فهو إذن عيب اضطرتهم إليه ظروف معينة، وليس مزية تُشتهى كما يتصور المغفلون!
وصحيح أن الغرب اليوم يملك القوة والسيطرة، وأنه امتلكها في الفترة التي كفر فيها بالقيم الإنسانية العليا، وآمن بواقع الأرض المحدود. ولكن ذلك لا يعني أن هذه هي الطريقة الوحيدة لامتلاك القوة. ودليلنا الذي نتخذه من وقائع التاريخ، هو أن العالم الإسلامي -وقت تمسكه بالإسلام وإيمانه الحقيقي به- كان هو الذي يملك السيطرة في عالم الحرب والسياسة والعلم والاقتصاد. حتى إن أوربا التي تلوح اليوم لعقول الشرقيين وقلوبهم كالمارد الجبار، كانت تتلمذ على الشرق الإسلامي في كل اتجاه.
فامتلاك القوة إذن لا يستلزم الكفر بمقومات الإنسانية الحقة، ما دام قد أمكن عمليًا أن يجتمع هذا وذاك. وأهم من ذلك أن امتلاك القوة على الأسس المادية النفعية لم يجلب للإنسانية غير الخراب والدمار، فهو قائم على الصراع لا على الحب. وعلى أن الغلبة للأقوى لا لصاحب الحق. وما دام الأمر كذلك فالنتيجة الحتمية لهذه الفلسفة البربرية هي الحرب التي تحطم في لحظة ما شيده الإنسان في أجيال.
(1) كتب هذا أيام احتلال فرنسا للشمال الأفريقي. وإذا كانت فرنسا قد رحلت من مستعمراتها فليس ذلك لفضيلة اكتسبتها وإنما لظروف قاهرة أجبرتها على الرحيل.