ويظن بعض البلهاء من"المثقفين"أن الإيمان بالروحانية والقيم العليا يستلزم من جانب آخر أن ننفض أيدينا من اكتشافات العلم الحديثة وكل التيسيرات التي أدخلها العلم على وسائل الحياة! وهو وهم لا يقتصر على"مثقفي"الشرق فقط! بل لعله سرى إليهم مع"الثقافة"التي تثقفوها من الغرب! فقد حدثني رجل انجليزي متخرج في أكسفورد، ويعمل أخصائيًا في مؤسسة اليونسكو، وهي مؤسسة ثقافية! زار مصر منذ سنوات، وجرت بيني وبينه عدة مناقشات، فقال: إنه لا يحب الروحانية لأنه يحب أن يستمتع بالسفر بالطائرة، والاستماع إلى المذياع!! فقلت له مدهوشًا: وماذا يحملك على ترك هذا المتاع حين تؤمن بالروحانية؟ قال: أو ليس يقتضي ذلك أن أعود إلى الخيام؟!
كلا يا هؤلاء المثقفون! إن الإيمان بالقيم العليا لا يمنع العلم أن يتقدم ويصل كل يوم إلى اكتشاف جديد. وقد كان العلم الوحيد على ظهر الأرض في فترة من فترات التاريخ هو ما يعرفه الشرق الإسلامي في الطبيعة الكيمياء والفلك والرياضيات! ولن يمنع كذلك من استخدام الطائرة أو الصاروخ الجوي، ومن احتلال القمر والمريخ. ولكنه سيجعل لكل ها غاية ... غاية إنسانية نبيلة ترتفع على النفع المادي القريب.
وقد يتفلسف الغرب المادي لتبرير كفرانه بالقيم العليا فيقول: إن النفس الإنسانية هكذا لا تقبل الارتفاع، ولا تخضع لهذا التهذيب الذي ربما كان جميلًا في ذاته ولكنه غير مستطاع. ويستدلون على ذلك بأن الجريمة لم تنقطع من وجه الأرض حتى في أيام الرسل والأنبياء. ويستجيب المنحلون والهابطون من أهل الشرق إلى هذه الفلسفة، وتنسط لها أساريرهم، ويقولون لك: لا فائدة! لا تتعب نفسك، فالواقع يكذبك على طول الخط!
وهؤلاء وأولئك يبررون ضآلتهم وانحلالهم بهذا الحديث. ولكن فيه مغالطة مكشوفة. فهناك فارق هائل كما قلنا في الفصل السابق، بين مجتمع لا تحدث فيه الجريمة إلا شذوذًا يثير النفور والاستنكار، ومجتمع يكون الامتناع عن الجريمة فيه هو الذي يبعث الدهشة والاستنكار! فإذا كانت الجريمة لم تنقطع حتى أيام محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، فقد كانت نسبتها بلا شك أقل بكثير جدًا مما هي عليه الآن. وبمثل هذه النسبة تقاس المجتمعات.
على أن الغرب قد وصل في تهذيب بعض الطباع إلى درجة مثالية. فبائع الصحف الذي يترك صحفه في انجلترا وعليها كومة من النقود، فيأتي الزبائن فيأخذ كل منهم صحيفته ويضع ثمنها دون أن يفكر في أخذ هذه النقود المتروكة بلا حراسة، يعتمد دون شك على التهذيب الفائق الذي صقل النفوس فمنعها من السرقة المتاحة.
وللبيوت في أمريكا حدائق ليس لمعظمها أسوار. فالسائر في الطريق يراها بكل ما تحمله من زهور وثمار، ويتمكن -لو أراد- من دخولها وقطف ما يريده منها دون أن يراه أحد، في الليل على الأقل. ومع ذلك لا يسرقها أحد. بل سمعت عن أحد المصريين العائدين من هناك، أنه سمع جرس بابه يدق ذات مرة، فقام يفتح فإذا طفل صغير يشب على قدميه ليبلغ الجرس، يستأذنه -إذا لم يكن عنده مانع- في أن تأخذه أخته الصغيرة زهرة من زهور الحديقة! وقد كان الطفل وأخته قادرين على أخذها دون أن يحس صاحبها أو ينتبه!
فإذا كان هذا التهذيب ممكنًا وواقعًا -لأي سبب وبأية طريقة- فكيف نقول إن الطبيعة البشرية لا تقبل التهذيب؟ وقد كان أولى بالغرب الذي توصل إلى مثل هذا التهذيب، أن يجربه ويصل إليه في كل مناحي النفس البشرية، فلا يطلق أبناءه كالبهائهم ينزو بعضهم على بعض، بحجة أن الغريزة الجنسية لا تخضع للتهذيب!