الصفحة 160 من 162

وإنما وجّه الغرب كل عنايته إلى هذا اللون من التهذيب النفعي، ونجح فيه، لأن طبيعته مادية نفعية، ولم يتجه إلى التهذيب الخلقي والإنساني، لأنه لا يؤمن بالمبادئ الخلقية والإنسانية، لا لأنه حاول فاستعصت النفس البشرية على المحاولة ... وقد عمل الإسلام من قبل، في كلا الميدانين، فنجح. وكان من نجاحه تلك الأمثلة العجيبة التي أوردنا بعضها في فصل"نظرة الإسلام".

فالنفس البشرية لا تستعصي على الارتفاع حين تجد التوجيه والترغيب، ولكنها حين تترك وشأنها، أو حين تجد المغريات الدائمة للهبوط، فلا شك أنها تهبط حين تصل إلى مستوى الحيوان. وهذا ما وصل إليه الغرب في المسألة الجنسية خاصة، حين اعتبرها مسألة بيولوجية منفصلة عن الأخلاق! وحين قال عن الاستعمار إنه مسألة اقتصادية لا تخضع للأحكام الأخلاقية، كما تثب القطة لتأكل الفأر دون أن يوصف عملها بأنه أخلاقي أو خارج على مقتضيات الأخلاق!

في دنيا الحيوان فقط يمكن أن توجد الأعمال منفصلة عن القيم الأخلاقية، لأنها محكومة بدفعة الغريزة، ولا إرادة للحيوان في الاستجابة أو الامتناع. ولكنها لا يمكن أن تكون كذلك في عالم الإنسان، وقد رأينا الإنسان الأول يقدر قيمة أخلاقية لأعماله، وهو ما يزال في ظلام الكهوف.

بل إننا لنجد في عالم الحيوان ذاته ما يصلح أن يكون بذورًا للقيم العليا التي نطلبها في عالم الإنسان.

فإذا كان الفيل حين يدهمه المرض ينعزل عن بقية القطيع، ويحتمل مرارة الوحدة والحرمان، حتى يشفى فيرتد إلى رفاقه، أو يموت حيث هو في عزلته، لكي يؤمن بقية القطيع من خطر العدوى ...

وإذا كان الحمام يصل به الوفاء إلى درجة مثالية عجيبة، فإذا مات أحد الإلفين، ظل الآخر حزينًا عليه لا يأكل ولا يشرب ولا يتسلى، حتى يلحق به، وأمامه البديل الممكن لو أراد ...

وإذا كانت الجمال تأبى أن تقوم بالعملية الجنسية في مكان مكشوف، بل تسعى إلى التستر عن عيون المتطلعين ...

وإذا كان الحصان -فيما يقال- يأبى أن يواقع أمه، مهما تحايل الناس على ترغيبه ...

إذا كان هذا وأمثاله يقع في دنيا الحيوان بلا وعي منه ولا إرادة، أفما يجدر بالمخلوق الذي يقرر العلم أنه أرفع وأرقى، أن يعتنق هذه المبادئ السامية، ويسعى إلى تحقيقها بوعيه وإرادته؟!

بل أنا أزعم أن العقل الباطن في الإنسان ليس شهوة خالصة ولا ظلمات كافرة. وأزعم أنه زاخر -إلى جوار ذلك- بأحلام البطولة، والخير الخالص، والمثل العليا الرفيعة. وإلا فمن أين جاء الإنسان بهذه الأحلام؟ من الذي أوحي إليه بتلك الصور الخلابة التي رسمها لأبطاله فتصورها بيضاء ناصعة، لا يعتورها نقص ولا تشوبها خسة؟

إن فكرة الكمال المطلق عميقة عميقة في نفس الإنسان، وإلا لما اهتدى إليها في طفولة البشرية، ولا حلق في آفاقها الرحيبة.

وإن بريق القيم العليا والنظافة النفسية ليجذب الناس إلى أعلى فيرتفعون مختارين لا يقهرهم شيء. وتبهرهم البطولة فيحبون تقليدها بدافع داخلي كامن في الأعماق. ولن يكون ذلك إلا إذا كان في باطن النفس رصيد لهذه القيم وتلك البطولة. صيد مذخور ينتظر اللحظة المناسبة للانطلاق، في عالم الواقع أو في عالم الأحلام.

وقد كان الإسلام على صواب حين قدر قيمة الإنسان بمقدار تمسكه بالقيم العليا والعمل على تحقيقها، لأنه لن يكون إنسانًا حقًا بغير ذلك ولو ملك القوة والسلطان. وإن دعوى الفصل بين القيم الخلقية وبين الأعمال لهي أعجب ما جاء به الغرب في فترة انحطاطه الحالية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت