الصفحة 161 من 162

إن حقائق الحياة كل لا يتجزأ، ولا يتعارض إلا في العقول الصغيرة والقلوب الصغيرة. وكلما اتسعت النظرة فشملت أكثر من جانب واحد من جوانب الإنسان كانت أصح تقديرًا وأقرب إلى الصواب. ومن هنا تجيء قيمة الإسلام الذي أشرف على الحياة من أعلى، ووضع الإنسان في مكانه الصحيح، بعد أن وفق بين نزعاته الداخلية والخارجية أجمل توفيق.

وقد كان لهذا التوفيق أثره الحاسم في تهذيب النفس البشرية والارتفاع بها عن مستوى الغريزة والضرورة. وإذا كان الغرب -لأي سبب- قد هبط عما ينبغي له، ولم يعد يؤمن بالقيم العليا، فنحن لم نقع تحت ضروراته، وليس هناك ما يلزمنا أن نأخذ بنظرته الهابطة، ونحن نملك في دنيا الواقع لا في عالم الأوهام، أمثلة أخرى ونظرة أخرى لأهداف الحياة ونوازع الإنسان.

فحين كان الجنود الإنجليز في الحرب الماضية يعتدي أحدهم على آخر، فيتلاكمان، فمن انتصر فهو صاحب الحق، وعلى الآخر أن يعتذر بصرف النظر عن المسيئ الحقيقي، يكون الذي يحكم هو قانون الغابة،"قانون القوة هي الحق [1] ". أما حين يشكو القبطي إلى عمر أن ابن عمرو بن العاص ضرب ولده بغير وجه حق، فيقول عمر للقبطي: اضرب ابن الأكرمين، يكون قانون آخر هو الذي يحكم: قانون العدالة المطلقة بين بني الإنسان.

وحين يحدث كما حدثني أحد المصيين الذين هاجروا إلى فرنسا لطلب العلم، أن التي سكن في بيتها كانت تبالغ في استلاب نقوده بكل وسيلة -وهو يتعلم علم بلادها ويقبس من وحيه- حتى إنها دعته ذات يوم إلى نزهة ثم اتضح له وقت الحساب أنها دعته فقط ليدفع لها أجر الذهاب والإياب! وطلبت له في أثناء النزهة فنجانة من الكاكاو، ولنفسها مثله، وإذا به يفاجأ بأنها حسبت عليه كلتا الفنجانتين!! حين يحدث ذلك يكون الجشع المادي هو الذي يحكم. فأما حين كان الأنصار يقتسمون مع المهاجرين بيوتهم وأرزاقهم لا يريدون منهم جزاء ولا شكورا، وإنما ابتغاء وجه الله، وفرحة بما يقيسون من وحيهم، فقد كان الإيثار النبيل هو الذي يحكم.

وحين يأبى الأمريكي أن ينفق على والديه، ولو كانت ثروته تعد بالملايين وهما شيخان فقيران، لأنه غير مكلف، ولأن على كل امرئ أن يعول نفسه، تكون الأنانية البغيضة هي التي تحكم. فأما حين يشعر الفرد المسلم أن الإنفاق على أبويه المعوزين جزء من عرضه، ويعيّر بهما إذا نكل عن أداء هذا الواجب المقدس، لقاء ما جهدا في تعليمه وتربيته، يكون البر الإنساني هو الذي يحكم.

وحين يعامل الأمريكان الزنوج الذين يشتركون معهم في دين واحد ولغة واحدة تلك المعاملة الوحشية، فيركلونهم حتى يزهقوا أرواحهم، ثم يعلقونهم في جذوع الشجر عقابًا ونكالًا لأنهم باشروا بعض حقوقهم الإنسانية المشروعة كالسير في طرقات المدينة، أو ركوب سيارتها العامة، أو دخول أحد مقاهيها، تكون الروح الهمجية البربرية هي التي تحكم. أما حين يقول الرسول الكريم:"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد أسود كأن رأسه زبيبة، ما أقام فيكم كتاب الله تعالى"فلا يعطى العبد مجرد المساواة في الإنسانية، بل يؤهله حتى لمركز القيادة ما دام يطبق شريعة الله، فهنا الروح الإنسانية العالية هي التي تحكم.

(1) كتبت هذا في الطبعة الأولى. ثم كان اعتداء إسرائيل مع انجلترا وفرنسا على مصر سنة 1956 أبشع تطبيق لقانون الغابة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت