واليوم تكتشف أسرار الذرة، فتنشأ حولها نظريات كثيرة في تفسير الكون والحياة كانت مجهولة من قبل؛ ويبدو بجانبها بعض ما كان يسمى"نظريات علمية نهائية"أقرب إلى الخرافات والأساطير.
فإذا كان هذا كله في ميدان العلوم البحتة، التي تخضع خضوعًا كاملًا للتجربة المعملية، فأولى بنا إذن أن نكون أكثر احتراسًا ونحن نتلقى نظريات علم النفس، أو النظريات التي تتصل بمجاهيل لم يتح للعلم التجريبي أن ينفذ إليها حتى اليوم. وينبغي ألا تأخذنا العزة بالإثم، أو بالعلم، فنقول: إن كذا أو كذا حقيقة ثابتة لا تقبل الجدل والنقاش.
ومرة أخرى أقول: إنه ليس غرضي من ذلك أن أتعرض لوقائع النظرية الداروينية، ما ثبت منها وما لم يثبت [1] . وإنما أعرض للفلسفة التي نشأ عنها ذلك اللون من التفكير. فأول ما يتبدى لنا منها أنها فلسفة مادية بحتة، تقطع كل صلة للأرض بأية قوة خارجة عنها (ولو حتى على سبيل الاحتياط لما قد يجد من العلوم في المستقبل) [2] .! وكأنما يقصد دارون قصدًا إلى تحديد مجال بحثه بهذه الأرض، أو المجموعة الشمسية على الأكثر، لينفي أي أثر لقوة خارجة عنها، لها إرادة في الخلق أو دخل في النشوء والارتقاء! ويتضح ذلك من سرعته في معالجة مسألة الخلق الأول، أو نشوء الحياة على سطح الأرض الميتة الخالية من الحياة. وإن الداروينيين ليقولون: إن هذا البحث غير مهم، لا يقدم في المسألة ولا يؤخر! وإن الدليل اليقيني فيه غير موجود ولا يمكن الحصول عليه!
أي نعم، لا يمكن الحصول عليه، ولكن أهميته أو عدم أهميته مسألة ترجع لوجهة النظر الخاصة. فأما النظرة المادية البحتة، التي لا يهمها إلا واقع الأرض وواقع الحواس، فلا تهتم بهذه المسألة الضخمة، لأنها تحس إحساسًا باطنيًا كاملًا بأن مسألة الخلق الأول مردها إلى قوة ليست في حدود الأرض، وليست مما تدركه الحواس! وأما النظرة الشاملة والأفق المتسع، فيحسب لهذه المسألة حسابها الضخم، لأنه يترتب عليها اختلاف خطير في سير المجتمع وفي حياة الناس.
ذلك أن النظرة الأولى التي تحدد بحثها بحدود الأرض وحدود الحواس تنفي، أو تسقط من حسابها على الأقل، وجود القوة العليا الخالقة [3] ، ويترتب على ذلك أن تنفي أو تسقط من حسابها كل ما يتصل بهذه الفكرة من قيم أخلاقية أو روحية، كما تنفي الدين بداهة، لأن الدين هو عبادة الخالق الذي أنشأ الوجود كله بقدرته.
والمجتمع الذي ينشأ عن هذه الفلسفة المادية هو بدوره مجتمع مادي، لا يقيم وزنًا لشيء من القيم المعنوية. ولا يؤمن بما يقع خارج حسه، ولا تقوم معاملاته ولا أحاسيسه إلا على أساس المنفعة، ولو تعارضت مع الخلق أو نداء الضمير.
بل إن نظرة الناس إلى النفس الإنسانية وإلى عالم المشاعر في مثل هذا المجتمع لا يمكن أن تنجو من آثار تلك الفلسفة العامة، فلا ترى من جوانب النفس إلا ما يتفق مع نظرتها، وتنفي، أو تسقط من حسابها على الأقل، كل جانب يخرج عن هذه الحدود!
(1) كتب جوليان هكسلي وهو من علماء"الداروينية الحديثة"فصلًا بعنوان"تفرد الإنسان"في كتابه"الإنسان في العالم الحديث"ألقى فيه في الحقيقة جذور نظرية دارون فيما يختص بالإنسان وأثبت أنه متفرد في كل شيء حتى في تكوينه البيولوجي فضلًا عن تكوينه العقلي والنفسي!
(2) ذكرت الصحف أخيرًا أن عالمين أمريكيين قد كشفا في أحد الكهوف آثارًا من مخلفات الإنسان الأول، وأن هذا الكشف سيؤدي إلى نتائج مخالفة لنظرية دارون.
(3) يقول داروين بصراحة: إن ذلك (أي تفسير شئون الحياة بوجود خالق له إرادة في الخلق) يكون بثمابة إدخال عنصر خارق الطبيعة في وضع ميكانيكي بحت!