الصفحة 12 من 162

ومن هنا كان دارون أخطر من قام من العلماء في العصر الحديث. ومن هنا كذلك كان فرويد بنظرياته كلها، أثرًا من آثار تلك الفلسفة، ونتيجة من نتائجها. وكان لزامًا علينا ألا نتلقى آراءه على أنها"حقائق علمية ثابتة"أو"مسائل موضوعية"تتأثر بالبيئة والظروف والملابسات!

وعلماء الغرب لا يحسون بطبيعة الحال بأن دارون قد أتى أمرًا إدًّا حين قدم نظريته بهذه الروح المادية المتنكرة لكل قوة خارجة عن محيط الأرض، لأنهم كلهم من طينة واحدة. وهم بطبيعة بيئتهم وظروفهم التاريخية، يعيشون حياتهم على الأرض ولا يتطلعون إلى السماء [1] .

أما نحن هنا! فما بالنا نؤمن الإيمان الأعمى بأن ذلك كان الأمر الواحد الصواب؟

وما بالنا نغلق بصيرتنا وأبصارنا، ونتلقف كل ما يصدر عن الغرب كالمسحور الذي لا عقل فيه، أو المبهور الذي تتقطع أنفاسه من البهر؟ لماذا لا نمحص الأمور، ونعلم على الأقل أن الظروف التي أوحت إلى علماء الغرب اتجاههم وفلسفاتهم، ليست هي ظروفنا، ولم تمر علينا؟ لماذا لا نؤمن بأننا أقدر -ونحن في نجوة من ظروفهم القاهرة- أن نقف من الأشياء موقفًا آخر، وننظر إليها نظرة أشمل وأعمق وأدق؟

وي! ألا إنه الغرور المرذول دون شك، هو الذي يدفعني إلى هذا القول الخارج على حدود الأدب بالنسبة لأولئك العلماء المقدسين!

وما لم يكن هو الغرور المرذول، أو هو الجهل المضحك بالنظريات العلمية، فما تراني كنت أريد من دارون أن يقول؟!

كنت أريد منه أيها السادة أن يقول: إنني توصلت بالشواهد والتجارب إلى تكوين نظرية معينة في النشوء والارتقاء، ولكن أمورًا أخرى فاتتني ولم أستطع إدراكها، ومنها سر نشوء الحياة على ظهر الأرض، والسر الذي يجعل الأحياء تتشبث بالحياة، ثم السر الخفي في قدرتها على التطور لمواجهة ما يحيط بها من الظروف، لكي تحقق ما في طبيعتها من حب البقاء. ولا يمكنني في الوقت الحاضر إلا أن أقول: إنها من أسرار خالق الحياة التي لم يكشف عنها بعد للأحياء (وذلك بدل التمحك في"الطبيعة"و"القوانين الطبيعية") ، وقد يصل العلم إليها في مقبل السنين، فيكشف عما فيها من مجهول.

هل يتنافى ذلك -يا مقدّسي الغرب وعبّاده المخصين- مع حرية الفكر، أو مع احترام العقل، أو ما ينبغي للعلم من قداسة وتوقير؟

هل يتنافى العلم الحق مع ذكر هذه الحقيقة الكبرى التي تشمل في أطوائها كل حقائق الأرض والسماء؟ أو هل يدفع الاعتراف بتلك الحقيقة إلى وقف التقدم العلمي عند حد محدود؟

كلا. كلا!

ولو قال ذلك دارون لتغير المجتمع الحديث كله، ولتغير التاريخ. فلو أنه ترك في نظريته العلمية التجريبية مجالآً للقوة الخالقة، ولم يلزم الناس -حين يصدقون علمه- أن ينفوا من أفكارهم ومن ضمائرهم تدخل تلك القوة الكبرى في شئون الحياة والأحياء، لسار العلم التجريبي في خطواته الجبارة جنبًا لجنب مع العقيدة، وما يتصل بها من قيم خلقية ومعنوية وروحية.

ولكنه لم يقل ذلك: أولًا، لأن ظروف الصراع بين العلم والكنيسة، التي نشأت من دكتاتورية تلك الأخيرة وفظاظتها الوحشية في معاملة العلماء، كانت توجد جوًا من العداء السافر بين العلماء وبين كل ما تقول به الكنيسة، ولو كان حقًا كفكرة وجود الله! فلم يكن من المعقول إذن أن يجامل دارون الكنيسة فيعترف لها"بإلهها"وهي لا تجامل أحدًا من طلاب الحقيقة ولا ترحمهم من العذاب!

(1) ظهر فيما بعد الطبعة الأولى (1952) وهذه الطبعة (1975) اتجاه عند بعض علماء الغرب للرجوع إلى الله، وتفسير كل ما يجري في الكون بأنه إرادة الله الخالق المدبر المبدع. انظر نماذج من هذا الاتجاه في كتاب"العلم يدعو للإيمان"تأليف: جون أ. كريسبي، ترجمة: محمود صالح الفلكي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت