الصفحة 13 من 162

ولم يقل ذلك: ثانيًا، لأن الاعتراف بإله الكنيسة كان يقتضي الاعتراف بسلسلة من الخرافات التي تعتنقها، والتي تتصل اتصالًا وثيقًا -في نظرها ونظر الجماهير- بفكرة الإله.

هذا طبعًا إذا كان هو شخصيًا يؤمن بوجود إله؛ وعلم ذلك عند الله [1] !

تلك ظروف دارون التي أثرت في كل علاء الغرب من بعده، فجعلتهم يؤمنون بأنه لا سبيل إلى تقدم العلم إلا بمعاداة الدين ونفيه نفيًا باتًا من الحياة [2] .

فأما نحن فما عذرنا في إقامة العداء بين العلم والدين؟ وما عذرنا في تصديق تلك الخرافة التي تقول: إنه ينبغي لنا أن نطرد الدين من مجال البحث العلمي الصحيح؟!

إنها العبودية للغرب الظافر المستعبد، والتقليد على طريقة العبيد، أو طريقة القرود.

إننا نملك من ظروفنا الخاصة، ومقوماتنا الخاصة، ونظرتنا الخاصة إلى الأمور، أن نعقد السلم بين العلم التجريبي والعقيدة، حين نؤمن بأنفسنا وبكياننا الذاتي، وحين نتخلص من هذا الأسر المنكود الذي أوقعنا فيه الاحتلال من الخارج، والتفكك والانحلال من الداخل.

وعند ذلك سنرى أننا حين آمنا بكل ما يأتينا من الغرب على أنه حقائق موضوعية ثابتة لا يرقى إليها الشك، كنا مخدوعين، وكنا مستعبدين!

يقول التاريخ الأوربي: إن نظرية دارون كانت نقطة تحول في تاريخ العلوم، وإنها أثرت في اتجاه التفكير البشري بحيث يمكن تتبع آثارها في كل ما أنتجه العلماء في العهد الأخير ...

وهذا صحيح.

وقد تأثر بها فرويد كما أسلفنا. وأول ما يبدو من هذا التأثر هو نظرته إلى الإنسان على أنه مخلوق أرضي، عالمه كل محصور في هذا النطاق الضيق القريب.

ولكن هذا ليس كل شيء. فقد تأثر به من زاوية أخرى حين أزال عن الإنسان ما كان يحوطه من"كرامة"إنسانية، ومن رفعة وشفافية وروحانية. وذكل على اعتبار أن"رعاية الله"لهذا المخلوق، وتكريمه له، خرافة كبيرة، نتجت من الخرافة الكبرى المتصلة بخلق آدم!

وتأثر به من زاوية ثالثة حين تابعه في قوله: إن"غرائز"الإنسان هي الامتداد الطبيعي لغرائز الحيوانات السابقة له في سلم الصعود، مشافًا إليها قدر من التطور، هو القدر الذي نتج من الظروف التي صادفت الجد الأعلى للإنسان، فأثرت فيه، وأنتجت منه الكائن البشري على مر الأيام.

ومن هذا نجد أن نظريات فرويد هي الامتداد الطبيعي لنظرية دارون، أو هي تخصيص لها في ميدان"الإنسان". وعلى ذلك ينبغي أن نحترس مما فيها من المزالق الخطيرة. فكل هذه الإيحاءات التي نشأت من نظرية دارون ليست"حقائق موضوعية"كما قدمنا، وإنما هي وجهة نظر خاصة، وفلسفة معينة، مردها إلى المزاج الشخصي لصاحب النظرية، وإلى الظروف التي لابست حياته، والتي جعلت النفور من الدين والكنيسة واجبًا مقدسًا على كل صاحب رأي حر. ولكن هذه الملابسات الشخصية لا تُفرض علينا نحن، ولا تمنعنا من مناقشتها بالمنطق العلمي.

(1) كتب داروين إلى أحد أصدقائه يقول: إنه لا يعرف لماذا يتهمه الناس بالكفر مع أنه لا يعتقد أن نظريته تنفي وجود إله! ولقد مر علينا من قوله ما يثبت نفوره من الإقرار بوجود إله يتدخل في شئون الخلق ويشرف على تطوراته.

(2) مر بنا في هامشة سابقة أن هذا الوضع قد بدأ يتغير. والحقيقة أن الكشوف العلمية الكبرى التي تمت في الفترة الأخيرة قد بهرت العلماء أنفسهم وأجبرتهم أن يعترفوا بأن هذا الكون الهائل الدقيق التكوين إلى حد الإعجاز لا بد أن يصدر عن إله خالق مدبر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت