الصفحة 14 من 162

فأما قطع الصلة بين الأرض والسماء، أو بين الإنسان وخالقه، على أساس أن"الطبيعة"هي التي تشرف على الحياة في الأرض، وهي التي تتدخل في عملية النشوء والارتقاء، وأنها هي في آخر الأمر التي خلقت الإنسان، ومنحته أعضاء جسمه و"غرائز"نفسه. فتلك مغالطة مضحكة، إذا كان الأوربيون قد آمنوا بها لأسباب خاصة، فليس لنا نحن أن نؤمن بما آمنوا به. لقد لجأ إليها الأوربيون لأنها تخلصهم من سلطان الكنيسة المرهق، وترد إليها"إلهها"الذي تستبعد الناس باسمه؛ وتستبدل به إلهًا آخر له معظم خصائص الإله الأول، ولكنه يفترق عنه في أنه يعيش معهم على الأرض، ولا كنيسة له تستبد بالناس وتذلهم، ولا متناقضات حوله كمشكلة التثليث التي تحير العقل، ولا التزامات له عليهم من صلاة أو صوم أو تنسك وطهر ... نعم. لقد صدق الأوربيون هذه المغالطة لأنهم تخلصهم من ذل الكنيسة، وتطلقهم على أعنتهم يبحثون عن اللذة دون ضابط ولا نذير، ويستعبدون غيرهم من أمم الأرض، لتزيد في ثرائهم ومتعتهم، كما كان الرومان يصنعون من قبل. أما نحن فليس لنا أن نتابعهم ... أولًا: لأن ظروفنا غير ظروفهم، وثانيًا: لأن هذه المغالطة لا تخضع لأي منطق علمي؛ وإلا فليقل لنا أحد ما هي على وجه التحديد هذه"الطبيعة"التي تخلق كل شيء، والتي لا حدود لقدرتها على حد تعبير دارون؟ فإن لم تكن شيئًا له حدود معلومة وماهية مفهومة، فما المبرر المنطقي أو العلمي -لا العاطفي ولا الشخصي- الذي يبرر ترك فكرة الإله، والاستعاضة عنها بفكرة الطبيعة؟

أما نزع"الكرامة"الإنسانية عن الإنسان، بعد نفي النفحة الإلهية عن خلقه ونشأته، فتلك مسألة تبدو مفهومة وواضحة، إذ كان القصد منها مكايدة الكنيسة ورجال الدين، بتسفيه آرائهم، وتسوئ سمعتهم العلمية، وتصويرهم بصورة المخرفين الذين يستعبدون الناس بالخرافات. وقد كانت مسألة خلق آدم من أشد الأسلحة التي استخدمها الفريقان المتنازعان كل من وجهة نظره، فاتخذت ذريعة لتكفير دارون من جانب، وذريعة لرمي الكنيسة بالتخريف من جانب آخر.

ولكنا اليوم وقد انتهت تلك المعركة أو خمدت إلى غير رجعة، لا تجد في"العلم الموضوعي"ما ينفي قط أن الإنسان، أيا تكن خلقته الأولى، جدير بالتكريم والرفعة، وهو المخلوق الوحيد على ظهر الكرة الأرضية، الذي سما بعقله وروحه إلى ما يشبه المعجزات.

ويكفي أن يكون هو الذي حطم الذرة وعرف أسرارها وبدأ يطلق طاقتها. وأن يكون هو مبدع كل فن، والقادر على إنشاء كل حضارات التاريخ المادي منها والروحي سواء. فإذا كان هذا كله يميزه عن جميع الحلقات السابقة له في سلم التطور، فليس عجيبًا إذن أن يكون وحده موضع التكريم، وأن يكون له شأن غير بقية المخلوقات.

وأما الثالثة: مسألة غرائز الإنسان التي تعتبر امتدادًا لغرائز الحيوان، فقد انساق إليها دارون بطبيعة بحثه في"أجسام"المخلوقات وتطورها. فكان من الطبيعي بالنسبة إليه أن يلاحظ الشبه العظيم بين الإنسان وأسلافه من الحيوانات العليا. وجرته حماسته لنظريته أن يعتقد بأن التشابه في وظائف الجسم وأعضائه، لا بد أن يؤدي إلى التشابه في الوظائف النفسية، أو"التركيب النفسي"، بين الحيوان والإنسان [1] .

(1) أشرنا في هامشة سابقة إلى اعتراف جوليان هكسلي، العالم الدارويني الحديث، بتفرد الإنسان حتى من الناحية البيولوجية البحتة التي زعم دارون أنه مشابه فيها للحيوان، فضلًا عن التفرد العقلي والنفسي، ونضيف نحن التفرد الروحي أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت