وهذا خطأ لا شك فيه. فهناك بطبيعة الحال قدر مشترك من الحياة في جميع الأحياء. فالرغبة في البقاء، وما تستتبعه من حب الطعام والبحث عنه، والرغبة في حفظ النوع وما تستتبعه من الرغبة الجنسية ... الخ، هي مسائل مشتركة بين الجميع وإن اختلفت الوسائل حسب سلم الرقي. ولكن الإنسان وحده يتفرد -بعد ذلك، أي بعد هذه الجوانب المشتركة بين جميع المخلوقات- بأشياء خاصة، ولا يكون مقياسه فيها هو مقياس الحيوان [1] . وذلك كما يمتاز جنس من أجناس الحيوان عن سابقه بحاسة السمع أو البصر مثلًا، فلا يكون مقياسه فيها هو مقياس الحيوان السابق له في سلم الرقي، والذي لا يملك هذه الحاسة الجديدة. وتلك بديهية لا تحتاج إلى جهد في الإثبات، لولا أن الأمر كما يقول القرآن:"وكان الإنسان أكثر شيء جدلًا"!
وقد يسلم لك المجادلون بامتياز الإنسان"بالعقل"، وأنه على الرغم من أن الحيوان على قدر من الذكاء والتفكير إلا أنه لا وجه للمقارنة بين ذكائه وذكاء الإنسان. ولكنهم يجادلون أشد الجدل في امتياز الإنسان"بالروح". لا لأن هذه ليست حقيقة. ولكن لأن اعترافهم بها يكلفهم تكاليف كثيرة، كتلك التي كانت تفرضها عليهم الكنيسة ففروا منها هاربين. فهم اليوم يهربون من الاعتراف بالروح والروحانية، لنفس الدافع القديم الذي جعلهم يهربون من سلطان الدين، فضلًا على أن الاعتراف بها يخالف طبيعتهم المادية الوثنية، التي ورثوها من روما القديمة، وما زالت تعمل في دمائهم بشعور أو بغير شعور.
فالنظرة الحيوانية للإنسان، إن كان يصلح تطبيقها في علم الحياة [2] ، فمن الخطأ أن تطبق كما هي في علم النفس، لأنها تؤدي إلى نتائج أبعد ما تكون عن الصواب.
وأحسبنا الآن قد عرفنا إلى أي مدى تأثر فرويد بفلسفة دارون ونظرياته. ولكن هذا كله كان تأثرا واعيًا اقتنع به، واتبعه عن روية وقصد [3] .
ولكني أزعم أن هناك تأثيرًا آخر ينبع من اللاشعور، قد لا يحس به فرويد نفسه، وقد ينكره إذا أحس به أو ووجه به، ولكن هذا لا ينفي أنه ممكن الحدوث.
أنا أزعم أن فرويد متأثر بكونه يهوديًا، وأن إحساسه بيهوديته قد أنتج أثره اللاشعوري في فلسفته كلها، ونظرياته جميعًا.
وأحب -قبل أن ينزعج عبّاد فرويد ومريدوه، وقبل أن يصيحوا بدافع الاستهجان أو الاستنكار: حاشا لله ما هذا بشرًا! وإنما هو عالم لا يسري عليه ما يسري على بقية البشر العاديين -أحب قبل ذلك أن أنقل إليهم اعترافًا من فرويد ذاته، بأنه لا يبرئ نفسه من الهوى، وأنه بشر يعتمل في نفسه ما يعتمل في نفس غيره من نزوات وأحقاد! [4]
(1) انظر الهامشة السابقة.
(2) انظر الهامشة السابقة.
(3) تبين لي بعد كتابة هذا الكتاب بسنوات أن المسألة لم تكن مجرد تأثر علمي بدارون وإنما كان استغلالًا مقصودًا لنظريته من أجل إفساد البشرية. انظر فصل"اليهود الثلاثة"في كتاب"التطور والثبات".
(4) ظهرت بعد هذا الكتاب بسنوات طويلة مؤلفات بالعربية والألمانية والإنجليزية وغيرها تؤكد أن فرويد كان يصدر في كتابته عن نفس يهودية خالصة. اقرأ بالعربية كتاب الدكتور صبري جرجس وبالألمانية أو الانجليزية كتاب يونج تلميذ فرويد بعنوان"ذكرياتي عن فرويد".