الصفحة 16 من 162

قال في كتابه"تفسير الأحلام": إن دراساته كلها تقع في محيط الشواذ، ولذلك فقد يعترض المعترضون على نظريته في التفسير إذا كانت كلها مستمدة من تلك الأحلام. ولكنه شرح عذره في عدم استطاعته تفسير أحلام الأصحاء، بأنه يحتاج دائمًا أن يعرف كثيرًا جدًا من الملابسات المحيطة بنفس أي شخص لكي يتمكن من تفسير حلم من أحلامه. وهذا لا يتيسر له بين الأصحاء بقدر ما يتيسر في محيط المرضى الذي يفدون إلى عيادته يطلبون العلاج، فيسألهم عن شئون حياتهم، ويسجل ما يلقون إليه من معلومات تعاونه على حل مشاكلهم النفسية.

وقرر لذلك كله أن يأتي بمثال من أحلامه هو، على اعتبار أنه يعرف ملابسات حياته، ويستطيع بالاستبطان أن يفسر خوافي نفسه.

ثم أورد حلمًا سماه"حلم 23 - 24 يولية سنة 1895"، وفسره على طريقته الخاصة في عدة صفحات. ولا نحتاج هنا إلى نقل كل ما قال في التفسير. وإنما أكتفي بأن أنقل عنه قوله:"إن الدكتور"م"لا يوافق على العلاج الذي أجريته، ويعترض عليه فانتقمت منه في الحلم بوضع هذه الكلمات المضحكة على شفتيه، وتصويره بما يفهم منه أنه جاهل [1] "..."وقد أحسست أن"صديقي"الدكتور أوتو Otto يقف ضدي (إذ يتهمني بالتقصير في علاج"إرما") فانتقم لي منه الحلم بتحويل اللوم إليه ... وتصويره بصورة من يرتكب الأخطاء" [2] .

فإذا كان هذا اعترافه عن نفسه فأنا لا أتجنى عليه حين أطبق عليه نظريته في الدوافع البشرية والعقل الباطن واللاشعور، وأزعم بناء على ذلك أنه متأثر بكونه يهوديًا. وأن إحساسه بيهوديته قد أنتج آثارًا بعيدة في كل نظرياته.

فاليهود كما هو معروف، أقلية عالمية مكروهة ومنبوذة في أرجاء الأرض، وفي العالم المسيحي بوجه خاص. فإذا كانوا قد عاشوا أزمانًا متطاولة داخل العالم الإسلامي يتمتعون بكل حقوق الإنسان، ويقومون بنشاطهم الاقتصادي، المشروع وغير المشروع، دون محاسب ولا رقيب، فلم يكن الأمر كذلك في العالم المسيحي الذي كان ينكل بهم، ويلتذ بتعذيبهم، ويصر على تحقيرهم علانية دون مواربة ولا إنكار. ولم يعترف لهم بحقوقهم الإنسانية أبدًا، إلا حين أراد في العصر الأخير أن يكايد بهم العرب المسلمين، فقواهم وناصرهم، وسلطهم على العالم الإسلامي الآخذ بأسباب النهوض، ليؤخر نهضته أو يحطمها، وذلك بوحي من الروح الصليبية المتعصبة ضد الإسلام، والتي ما تزال آثارها باقية في نفوس المسيحيين رغم أنهم تخلوا عن المسيحية كدين [3] .

ومع كل هذه المناصرة والتشجيع، التي لم تصدر عن شعور إنساني، وإنما عن مصلحة خبيثة كما رأينا، فما تزال في أمريكا ذاتها، أشد مناصري الصهيونية، أماكن وضعت عليها لافتات تقول:"ممنوغ دخول الكلاب واليهود"!

أما في غير أمريكا، فالأدب الإنجليزي غني بالشواهد على كراهية الإنجليز لليهود في القديم والحديث، واحتقارهم لهم والاشمئزاز منهم. وأذكر مثالًا قصة"الزنبقة الحمراء"الشهيرة"Scarlet Pmpernel"كما تشهد مسرحية شكسبير"تاجر البندقية"بما كان اليهود يلقونه في إيطاليا من مهانة وتحقير. أما في ألمانيا فقد وصلت المسألة إلى درجة الإبادة والاستئصال!

وأشد ما يتهم به اليهود أنهم قوم ماديون مغرقون في المادية، لا يرعون في سبيل تحقيق مصلحتهم الخاصة إلا ولا ذمة، وليس لهم ضمير يمنعهم من ارتكاب أخس الأعمال إذا كان لهم فيها كسب قريب أو بعيد.

ويتهمون كذلك بأن المثل العليا -والقيم الخلقية خاصة- كلام فارغ في نظرهم، وسخف لا يعود على الفرد إلا بالخسارة والحرمان.

(1) عن كتاب"تفسير الأحلام"ترجمة أ. أ. بريل، طبعة سنة 1950، ص122.

(2) ص 126 من المصدر السابق.

(3) عن كتاب"الإسلام على مفترق الطرق"تأليف ليوبولدفايس، وترجمة عمر فروخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت