ولا ريب في أن الصبي"سيجموند فرويد"قد وقع في نفسه كثير من ذلك، وترسبت في لا شعوره أحاسيس معينة تجاه هذا الاضطهاد والتحقير الذي يلقاه اليهود، وهو منهم، وإزاء التهم التي تكال لهم بالشمال واليمين. فكيف"انتقم"لا شعوره من كل ذلك في صورة بريئة المظهر، معقولة، لا اعتراض لأحد عليها من أولئك"الجناة المعتدين"من المسيحيين؟
إنه ينتقم لنفسه ولليهود جميعًا بأن يقول: أيها الناس الذين تتهموننا بأننا نعيش على غرائزنا، لا نعرف إلا صوالحنا الخاصة، ولا نقيم وزنًا لقيمة عليا أو ميزان خلقي ... انظروا إلى أنفسكم! انظروا إلى دخائل شعوركم! وها أنذا أرفع أمامكم المرآة السحرية التي تنفذ إلى دخائل النفوس، وتكشف ظلمات المجهول في اللاشعور! انظروا إلى أنفسكم ... إنكم كلكم كاليهود!! كلكم ماديون تعيشون على الغرائز! كلكم لا ضمير لكم، ولا أخلاق، ولا مثل عليا، ولا قيم معنوية! كلكم تنطبق عليكم الصورة البشعة الشائهة التي تلصقونها باليهود. فلماذا تخصونهم بها، وهي صورة الإنسانية عامة في القديم والحديث؟!
وهكذا يرفع فرويد -في اللاشعور- لعنة الأجيال التي انصبت على اليهود وحدهم، وينتقم لهم بأن يصب اللعنة على الجميع!
وليس ذلك فحسب ...
ففي تصويره للمجتمع على أنه"الغول"الذي يتعقب الفرد ويحاول تحطيمه، كان يصور في لا شعوره الأغلبية المسيحية، التي تتعقب الأقلية اليهودية وتحاول تحطيمها والقضاء عليها. وحين يصور شعور الفرد نحو المجتمع بالكراهية والحقد، ونظره إليه على أنه القيد الذي ينبغي تحطيمه والتغلب عليه، يصور في لاشعوره إحساس الأقلية اليهودية نحو بقية العالم، وأمنيتهم في أن يحطموهم ويتغلبوا عليهم، ويكون لهم عليهم السلطان آخر الأمر. وكذلك في تصويره للكبت على أنه في الأغلب الأعم شيء مرذول يعود بأسوأ النتائج على الفرد، ويعذبه بالحرمان، والاضطرابات النفسية والعصبية، كان في لا شعوره يصور قمع العالم لليهود، وتعذيبه لهم، وإيقاع الاضطراب في صفوفهم.
وهكذا تكون آراء فرويد الأساسية كلها استجابة لا شعورية لما يعتمل في نفسه كيهودي، من حقد على العالم كله ورغبة في الانتقام. وهي استجابة تحايل لها عقله الباطن بطريق التبرير"Rationalisation"- كما يقول فرويد- لتتخذ مظهرًا علميًا بريئًا لا غبار عليه من الظاهر! [1]
وأيا كانت التأثيرات الشعورية أو اللاشعورية، فلن نعتمد عليها في مناقشة آراء فرويد. إذ ينبغي أن نناقشها في ذاتها مناقشة موضوعية علمية. وإنما ذكرنا هذه التفسيرات لأنها تلقي بعض الضوء على اتجاه فرويد في تفسير النفس الإنسانية، وتقنعنا أن آراءه لم تكن حقائق علمية، بقدر ما كانت ملابسات شخصية.
وقد تحدثنا عن بعض الآراء التفصيلية لفرويد في فصول:"الفرد والمجتمع"و"الجريمة والعقاب"و"المشكلة الجنسية"و"القيم العليا". ولكنا نكتفي هنا بعرض عام لنظريته ومآخذنا عليها.
فأول ما يعاب عليه هو"تحقير"الإنسان، بتصويره مجموعة من الغرائز والشهوات لا يرتفع عن واقع الأرض المادي، ولا ينطلق من قيد الغريزة لحظة في فن رفيع أو فكرة عليا أو سبحة من سبحات الروح، إلا أن يكون قد وقف في طريق الطاقة الغريزية عائق قهري منعها من الانطلاق!
(1) على الرغم من عدم اعتراضي -من الناحية العلمية- على هذا المعنى الذي كتبته في سنة 1952 فقد تكشف لي فيما بعد أن هناك قصدًا -واعيًا- مدبرًا لإفساد البشرية بنشر تلك الصورة المشوهة"للإنسان"وتحطيم إيمانه بالقيم العليا كلها. ولا تعارض على أي حال بين هذا المعنى وذاك فهما متكاملان.