الصفحة 9 من 162

ولست هنا بصدد عرض نظرية دارون. ولا أنا أحب أن أخطئ خطأ الكنيسة الأوربية حين كانت تعارض نظريته العلمية بنظرياتها الفلسفية. ولكني أقرر فقط أنه بصرف النظر عن صحة الوقائع التي وردت في نظريته، فإنه كان من ورائها فلسفة مادية بحتة، لا تتيح مجالًا لأي شيء خارج عن الأرض وعن المادة المحسوسة. وليس تهرب الداوينيين من البحث في مسألة نشوء الحياة على ظهر الأرض، بحجة أنها مسألة لا تهمنا في البحث، ولا يمكن الوصول إل دليل فيها، إلا مظهرًا للتهرب من الاعتراف بوجود كائن أعلى يشرف على الحياة والأحياء، ويتدخل في الخلق والإنشاء. إنها فلسفة ترفض كل ما لا تستطيع الحواس أن تدركه، ولا تؤمن إلا بهذا الواقع الصغير الذي يبصره العقل ويصل إلى ميدانه العلم.

ومن هذه الفلسفة المادية نشأت كل النظريات الغبية الحديثة، وكل الفلسفات المسيطرة عليها. منها نشأت الشيوعية كارل ماركس في الشرق، وفلسفة فرويد في أوربا، والبراجماتزم في أمريكا. وكلها تمثل أصلًا واحدًا وإن اختلفت المظاهر والفروع.

وبعد، فلم يكن من هذا العرض التاريخي، قبل أن نناقش المذاهب النفسية المختلفة، لنعرف كيف نشأت، والظروف التي كانت تجعل نشوءها أمرًا منطقيًا مع الظروف. ولكي نعرف أن ما نسميه"نظريات علمية ثابتة لا يتطرق إليها الشك"أو"مسائل موضوعية بحتة"إن هو إلا نتيجة لفلسفات معينة، و"لدوافع"نفسية خاصة، بحيث لا يمكن فصل هذه عن تلك.

وقد رأيت أن أتحدث عن فرويد بشيء من التفصيل، وأعرض لبعض المذاهب النفسية الأخرى عرضًا سريعًا، لسببين: الأول هو أن مهمة هذا البحث ليست استعراض كل النظريات السيكلوجية ومقارنتها بنظرة الإسلام، وإنما الاكتفاء بما كان منها خاصة ذا تأثير قوي على المجتمع. والثاني هو أن معظم النظريات الأخرى التي تبدو مخالفة لنظرية فرويد في التفصيلات والفروع، تلتقي كلها عند أصل واحد كبير: هو حيوانية الإنسان وماديته. فإذا تحدثنا عن نظرية فرويد بشيء من التفصيل، فإننا نكون في الوقت ذاته قد ألقينا على بقية النظريات شيئًا من الضوء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت