على أن الذي يهمنا هنا هو أن نسجل بعض خطوات التاريخ، التي كان لها أثر في تطور النظرة إلى النفس الإنسانية، وما تلا هذا التطور من تغيرات في المجتمع والحياة.
كانت الكنيسة في أوربا هي ممثلة المسيحية. ولكنها لم تكتف -كما يفهم من تعاليم المسيحية- بالدعوة الروحية، ومحاولة الارتفاع بالبشرية إلى ذلك المستوى المثالي، الذي ترتسم صورته في الأنبياء والقديسين، بل ادعت لنفسها سلطة زمنية مسلطة على أرواح البشر وعقولهم وأجسادهم، واشتطت في ذلك إلى حد الدكتاتورية، بله الفظاظة والوحشية.
وهكذا أصبحت الكنيسة، مهبط الرحمة والتواد والتعاطف، غولًا بشعًا يطارد الأفراد في يقظتهم ومنامهم: يفرض عليهم الإتاوات، ويفرض عليهم الخضوع المذل لرجال الدين الذين زعموا لأنفسهم قداسة ليست لبقية البشر؛ ويزيد على ذلك كله أن يفرض عليهم أفكارًا معينة باعتبارها أفكارًا سماوية مقدسة، لا يجوز الخروج عليها، وإلا اعتبر من لم يعتنقها كافرًا بالكنيسة وبالمسيحية، ووجبت عليه لعنة الرب ولعنة البابا والدولة والناس أجمعين.
وكان من هذه الطائفة الأخيرة علماء قالوا بكروية الأرض، فعذبوا ونكل بهم أبشع تنكيل، لأنهم يخالفون"الحقائق المقدسة"التي احتضنتها الكنيسة، وقالت: إنها كلمة السماء!
ولم يكن ثمة شك، حين يقوم الصراع على هذا الصورة، بين الكنيسة وبين العلم التجريبي، أن يؤمن الناس بما يثبته العلم، ويكفروا بما تقوله الكنيسة، وأن ينتهزوا هذه الفرصة السانحة فيقفوا في وجه طغيان الكنيسة ودكتاتوريتها الفظيعة، وقد أمسكوا بأيديهم السلاح الذي يحطمون به أوهامها، ويزلزلون به كيانها، وينزعون قداستها من نفوس المؤمنين بها، وكان ذلك السلاح الجبار هو العلم.
ولعل أكبر زلزلة أصابت الكنيسة كانت على يد دارون، حين نادي بنظريته في أصل الأنواع. وتتالت الصربات بعد ذلك على أيدي العلماء والباحثين، فترنحت هيبة الكنيسة وأخذ تتهاوى. ولم يعد لها على أي حال ذلك السلطان الطاغي الذي يفرض نفسه على الضمائر والعقول.
ولكن أوربا حين نزعت عنها سلطان الكنيسة لم تكتف بذلك، بل نزعت عنها سلطان الدين أيضًا، إذ كان الدين لديها ممثلًا في الكنيسة، مجسمًا فيها. وأغراهم بهذا أن في العقيدة المسيحية، كما صورتها الكنيسة لا كما أنزلتها السماء، كثيرًا مما يناقض العقل ويثقل على الأفهام، وليست مشكلة التثليث إلا واحدة من هذه المتناقضات.
على أي حال لقد تجردت أوربا من نير الكنيسة ومن سلطان الدين معًا. وارتدت بذلك رومانية كاملة، لا يقف شيء في سبيل نزعتها الرومانية المادية التي لا تعرف غير الجسد ونزواته، ولا تؤمن إلا بالواقع المادي الذي تثبته الحواس.
ونشأت على أنقاض الكنيسة والدين فلسفة مادية بحتة، تستمد وحيها من الأرض، من واقع الحواس، ولا ترتفع ببصرها لحظة واحدة إلى السماء.
وكان داون كما ذكرنا بطل هذا الانقلاب التاريخي، حين قرر حيوانية الإنسان. فنفى عنه تلك النفحة الإلهية التي رفعته عن مستوى الحيوان، وهبط به إلى الأرض، لا يحلق ولا يسمو إلى الملكوت الأعلى.