الصفحة 31 من 162

ولكن الناس لم يقنعوا بالحدود المعقولة للعلم التجريبي، فراحوا يجربون في كل شيء ولو كان لا يقبل التجريب! فالميدان الطبيعي لهذا العلم هو المادة. لأنها تخضع خضوعًا كاملًا لكل ما يجري عليها من تجارب؛ وأهم من ذلك أنها تستجيب دائمًا بصورة واحدة للمؤثر الواحد، ولا تتغير استجابتها ما دامت الظروف المحيطة بها لم تتغير؛ لأنها لا تحس ولا تفكر، ولا إرادة لها في الاستجابة التي تصدر عنها، وإنما تخضع دائمًا للقوانين الطبيعية والكيميائية التي تحكمها. ومن ثم نستطيع أن نعتمد على النتائج التي نحصل عليها من البحث.

ومع ذلك فما زال العلم كما أسلفنا لا يقطع برأيه الأخير في كثير من المسائل التجريبية التي تتصل بالمادة. وقد كان اكتشاف الطاقة الذرية حدثًا عنيفًا في تاريخ العلم، لأنه فتح السبيل لنظريات علمية كثيرة، يخالف بعضها ما كان العلماء قد تواضعوا عليه من قبل، وظنوا أنه القول الأخير.

ولكن شهوة التجريب لم تقف بالتجريبيين عند المادة، ميدانهم الأصيل، بل راحوا يجربون في كل شيء وكل ميدان، حتى عنّ لهم في مبادئ هذا العصر أن يجعلوا النفس مادة للتجريب، يخضعونها لتجارب المعمل، ويستنتجون من هذه التجارب قوانين يحكمون بها النشاط النفسي، ويفسرون بمقتضاها الإنسان والإنسانية.

وبُهر الناس وصفقوا معجبين! ها هو ذا العلم يقهر الأسرار واحدًا إثر واحد، ويخضع حتى المعنويات لتجارب المعمل، ليصل فيها إلى حقائق موضوعية ثابتة، تحسم الجدل، وتقطع السبيل على المناقشات الفلسفية الفارغة!

والتفكير في النفس الإنسانية على هذا النحو تفكير عجيب. فقد يستطيع الباحثون ذات يوم أن يصلوا إلى نتيجة نهائية قاطعة في المظاهر المادية لهذا الكون. أما النفس الإنسانية فهي عالم واسع غير محدود. وما زالت البشرية منذ مولدها إلى هذه اللحظة تتحدث عنها، وتحاول الوصول إلى كنهها، في آدابها وفنونها وفلسفاتها وأديانها واجتماعياتها، فلا ينتهي الحديث، ولا ينقطع عند نقطة معينة. وإنما يتقبل البحث كل ما قيل، وكل ما سيقال، ويبقى الباب مفتوحًا بعد ذلك للمزيد. وكل كلمة صائبة تقال في فن أو علم، فإنما تلقي شيئًا من الضوء على هذا العالم الواسع، ويتقبلها الناس بالإعجاب والشكر، لأنها تنفذ بهم إلى أعماق هذا المجهول، فتطلعهم على بعض آياته الكبرى. ولكنهم كانوا على صواب حين ظنوا أنهم لم يصلوا إلى كل أسرارها، وأن من بين هذا الأسرار ما لا يمكن النفوذ إليه عن طريق العلم المحسوس لا اليوم ولا غدًا، لأنه من أسرار الخالق التي لم يشأ أن يطلع عليها مخلوقاته؛ وأكبر تلك الأسرار وأعصاها على البحث مشكلة الروح.

حين كان الناس على سذاجتهم -مثلنا- يمنون بأن في النفس جوانب تتصل بالمجهول الأكبر، وتعتصم مثله بالغيب الأبدي، كانوا على صواب!

ولكن العلم التجريبي أفسد هذه السذاجة، وزعم للناس أنه القادر على كل شيء، وأن خرافات الماضي، وأساطير البسطاء من المؤمنين، إما أن تخضع للعلم والتجربة، وإلا فلتندثر إلى الأبد، وتُخْلِ مكانها للعلم الصحيح ...

ومع أن أبعد الطرق عن الوصول إلى نتائج قاطعة في أمر النفس هو المعمل بالذات، لأن منهج القائمين بالبحث فيه، والأدوات الميسرة لهم، هي أبعد ما تكون عن الإحاطة بكل الجوانب البشرية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت