الصفحة 32 من 162

أدوات المنهج التجريبي هي الحواس، سواء كان ذلك بطريقة مباشرة أو عن طريق الآلات والأدوات، التي تمنحها دقة فائقة، وتصل بها إلى أغوار سحيقة، كانت تعجز بمفردها عن إدراك كثير مما يجري بداخلها، ولكن هذه الأدوات على دقتها البالغة، ليس من شأنها أن تفتح الميادين كلها للبحث التجريبي، وإنما وظيفتها فقط أن تساعد الحواس في الميدان الذي يمكنها بطبيعتها أن تعمل فيه .. ومن ثم فإنه يستحيل على العالم التجريبي، مهما أوتي من دقة الأدوات، أن يجرب إلا ما يقع في حدود الحواس. وعلى ذلك نستطيع أن نقدر إلى أي مدى يمكن للنفس الإنسانية أن تدخل المعمل، وأي قدر منها يكون صالحًا للبحث التجريبي ... إنه ذلك القدر الضئيل الذي يتصل بالجسد، وتصلح لقياسه الآلات والأدوات.

وإذا كان هذا القدر يصلح لتفسير سيكلوجية الحيوان، فهو غير صالح للوصول إلى فكرة شاملة عن النفس الإنسانية. ذلك أن كيان الحيوان كله أو معظمه على أقل تقدير كامن في جسده. ولا يكاد يقع من نشاطه شيء خارج الجسد. أما الإنسان فأدنى نشاطه هو الذي ينبع من الجسد، وأنا أتحدث هنا عن النوع لا عن الكم ...

وقد كانت الأمانة العلمية تقتضي أن يقول العلماء الأجلاء: إننا لا نجرب من جوانب النفس إلا ما يتصل بالجسم فحسب، ولا نتعرض للجوانب الأخرى، ولا نصدر أحكامًا شاملة على النفس الإنسانية، في الوقت الحاضر على الأقل، إلى أن تتاح لنا وسائل أخرى نصل بها إلى ما نريد.

ولكنهم -سامحهم الله- لا يقولون ذلك، لأن معناه أن يعترفوا بقصور"الإله الجديد"عن الإحاطة بشيء مما في الكون العريض. وأيسر من ذلك عليهم أن يزعموا أن النفس الإنسانية تنبع من الجسد! وأن كل المشاعر البشرية إنما هو صور نفسية لحركات جسدية. فالجسد هو المنبع، وهو المحرك والموجه لكل النشاط الإنساني.

وإذا كان العلماء النظريون يقولون: إن هناك نزوعًا أو انفعالًا نفسيًا يؤثر في الجسد فينتج عنه حركة جثمانية، تهدف إلى تحقيق هذا النزوع أو إرضاء ذلك الانفعال ... فإن التجريبيين على عكس ذلك يقولون: إن هناك إدراكًا لحالة خارجية معينة، ينتج عنه بطريقة تلقائية حركة جسدية: إفرازات كييمائية أو نشاط كهربي، يثر في النفس فينشأ عنه شعور يُحسّ!

أرأيت؟!

يقول قائلهم: إنني سمعت خبرًا محزنًا فبكيت، فنشأت من ذلك عاطفة الحزن! فالحزن نشأ من البكاء، أي من الحركة الجسدية، وليس العكس: أن الإنسان يحزن فتنهمر دموعه كما يقول العقلاء من عباد الله!

ويقولون: إنني رأيت الأسد فجريت، فنشأ من ذلك الخوف. لا أنني خفت فجريت ..

ولا يحسبن أحد أننا نتجنى عليهم بنسبة هذا الكلام إليهم! فها هو ذا رائدهم وليم جيمس يقول [1] :"إن الفكرة التي نتخذها عن العواطف عادة، هي أن الإدراك العقلي لشيء ما، يستثير الحالة الوجدانية التي نسميها العاطفة، وأن هذه الحالة العاطفية الأخيرة هي التي يتولد عنها التعبير الجسدي. ولكن نظريتي على العكس من ذلك هي أن التغيرات الجسمية تأتي لاحقة مباشرة لإدراك المؤثر، وأن الإحساس الذي نشعر به نتيجة لهذه التغيرات هو العاطفة".

من الجسد إذن تنبع النفس، وليس العكس هو الصحيح!

ولو قالوا: إن هناك حلقة دائمة الاتصال بين الجسم والنفس في داخل الكيان الإنساني: فيؤثر الجسم في النفس، وتؤثر النفس في الجسيم دواليك، وإنما يختلف مقدار تأثير أحدهما في الآخر، حسب نوع الإحساس ومصدره وغايته؛ فيكون الجسم أحيانًا هو الغالب، وتكون النفس أحيانًا هي الغالبة، أو يكون أحدهما وحده هو مصدر الشعور ...

لو قالوا ذلك لكانوا أقرب إلى الصواب!

فالجوع مثلًا حركة جسدية خالصة تؤدي إلى مشاعر نفسية وعقلية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت