الصفحة 33 من 162

والرغبة في التعلم حركة نفسية خالصة (أو نفسية عقلية) تؤدي إلى تأثيرات جسدية

وبين هذين الطرفين تقع مشاعر كثيرة، يشترك فيها الجسم والنفس بنسب مختلفة في كل مرة. ويبقى بعد ذلك كله على أي حال، جانب هو أرقى جوانب البشرية وأحقها بالمعرفة والتسجيل، لا يقع في محيط الجسد على الإطلاق، وأعني بذلك الجانب الروحي من الإنسان.

هذا الجانب لا يمكن للمعمل أن يبحثه، لأن الحواس لا يمكن أن تدركه. ومن ثم فالروح بالنسبة للمعمل خرافة لأنها لا تخضع للتجريب.

وعلى الرغم من أن التليباثي، وهو من معجزات الروح الباهرة، قد تقرر كحقيقة علمية، إلا أن التجريبيين ما يزالون على عنادهم في إنكار الروح، يحاولون عبثًا أن يفسروه بطريقة مادية، تتسق مع نظريتهم"الواقعية!".

بقيت الأحلام التنبؤية؛ وقد استعرضنا رأي فرويد فيها من قبل، وتبيّنا مقدار ما فيه من التواء وتمحل، للوصول إلى نتيجة غير نزيهة. والتجريبيون أشد إنكارًا لتلك الأحلام من فرويد؛ فإذا كان هو قد قال: إنها محدود مدى التطبيق، فهم ينكرونها منذ البدء، ويهزءون بها ساخرين!

ومفهوم أن الحلم التنبؤي لا يمكن أن يدخل المعمل، لأنه فيه عنصرًا غيبيًا لا تدركه الحواس. فما هو يا ترى السر العجيب الذي يطّلع به الإنسان على الغيب، فيرى ما لم يقع بعد، على طريقة الزمر حينًا، وببعض تفاصيله أحيانًا، بل بكل تفاصيله الدقيقة في بعض الأحيان، بحسب درجة الحاكم من الصفاء الروحي والقدرة على الاستشفاف؟

إنه من أسرار الخالق العظمى، التي لم يكشف بعد عنها لبني الإنسان!

وبدلًا من أن يعلن التجريبيون عجزهم عن تفهم تلك الأسرار، لأن وسائلهم لا تصل إليها، راحوا في جرأة عجيبة ينفون وجودها، لمجرد أنهم هم لا يستطيعون إثباتها .. !

وإنها لحقائق ثابتة يدركها الإنسان حين يتخلص من قيود العقلية المادية الضيقة، ويفتح قلبه وبصيرته لهذا الكون العريض، فيتدبره بنظره واسعة الأفق، وإيمان بكل القوى المذخورة فيه؛ وسيجد حينئذ ظواهر عجيبة في حياة الإنسان، لا يمكن تفسيرها إلا على فرض وجود الروح.

ألا إنها لسخرية عظمى نظريات التجريبيين! وإنها لتبدو كالأقزام الضئيلة التي تحاول أن تقهر العملاق! ومع ذلك فإن الخطأ فيها لا ينشأ من قصورها عن الإحاطة بكل الجوانب النفسية فحسب، بل من منهج البحث ذاته، حتى فيما يتيسر فيه التجريب!

فقد اقتضت التجارب المعملية أن يجزأ الإنسان إلى أجزاء غاية في الصغر والتفكك، لأن هذه هي الطريقة المثلى في الحصول على نتائج"موضوعية"! ونسي العلماء الأفاضل أن هذه التفاريق المفككة ليست هي الإنسان، فإن اجتماعها ينشأ عنه شيء جديد غير مجموع الأجزاء -كما تقول نظرية"الجشتلت"وهي أقرب إلى الصواب.

ونضرب لذلك مثلين، أحدهما معروف مشهور هو المركبات الكيميائية: فالمركب له صفات جديدة تختلف تمام الاختلاف عن العناصر المركبة له. وملح الطعام مثلًا (كلورور الصوديوم) لا يمت بصلة -لا في المظهر ولا في الخواص- إلى عنصريه المكونين له، وهما الصوديوم والكلور. وكذلك النفس الإنسانية -مع الفارق الكبير- تختلف في كيانها المركب عن طبيعة أجزائها متفرقة.

والمثال الثاني هو الساعة. فالساعة دون شك هي مجموع"التروس"والمسامير والأدوات الأخرى المكونة لها. ولكنك لا تستطيع أن تأخذ فكرة صحيحة عنها إذا أنت اكتفيت بدراستها وهي مفككة الأجزاء، لأن تركيبها على وضعها الصحيح ينشأ عنه شيء جديد بالمرة، هو الحركة الدالة على الزمن، وهي الهدف الحقيقي من وراء كل هذه الأجزاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت