الصفحة 34 من 162

وقد يدرك العلماء ذلك كله ويقرون به وهم على أبواب المعمل، فإذا ما خلوا إلى أبحاثهم وتجاربهم نسوا كل شيء، وأخذتهم العزة، فراحوا يزعمون في خيلاء كاذبة أن تلك المزق والأشلاء التي يبحثونها في المعمل، هي النفس الإنسانية الحقيقية، أو هي الأساس الصحيح الذي تقوم عليه، على أقل تقدير!

ولا يسع الإنسان هنا إلا أن يشير إلى أن الآداب والفنون جميعًا، أصدق تعبيرًا عن النفس الإنسانية من علمي النفس التحليلي والتجريبي خاصة، لأنها تصور الحركة الحية في النفس المتكاملة، لا الأجزاء الهامدة، والتفاصيل الجامدة، التي ينقصها الصدق والحياة!

ولكن هذا كله لا يعني أن علم النفس التجريبي علم لا فائدة له، فهو على العكس من ذلك قد أفاد فائدة لا تقدر في ميدان التعليم. وأصبح اليوم في الإمكان -عن طريق المباحث التجريبية -توفير كثير من الوقت والجهد، كانا يضيعان من قبل عبثًا في تعليم الأطفال بوسائل غير صحيحة.

ولو لم يكن لهذا لعلم غير تلك الأهداف التطبيقية في التعليم، لكان ذلك سندًا كافيًا يبرر وجوده ويبيح المضي فيه إلى أقصى الغاية. ولكن أكبر الأخطاء وأخطرها هو أن العلماء لا يعرفون حدودهم الصحيحة. فهم حين خرجوا من الميدان التطبيقي في التعليم، وراحوا يصدرون أحكامًا شاملة عن النفس الإنسانية، وقعوا في أخطاء لا حد لها، ونشأت من أخطائهم إيحاءات خطيرة، خرجت بالإنسان عن إنسانيته، وهبطت به إلى مستوى الحشرات والدواب!

ولا يحتاج الإنسان إلى جهد ليدرك أن نظرياتهم مادية بحتة، تريد أن تعامل الإنسان معاملة المادة الجامدة. فالأساس الذي يقيمون عليه تجاربهم، يوحي بأنهم يفترضون أن النفس كالمادة، تستجيب بطريقة واحدة للمؤثر الواحد إذا اتحدت الظروف. ولا شك أن هذا غير صحيح إلا في محيط ضيق جدًا من النشاط الإنساني، هو ما يتصل بالجسد وحده، أو ما يكون الجسد هو العنصر الفعال فيه (وحتى الجسد مادة حية قد تفترق كثيرًا أو قليلًا عن المادة الجامدة) . أما بقية جوانب النفس فلا يفترق فيها فرد عن فرد فحسب، بل إن الفرد الواحد يختلف عن نفسه ولو اتحدت الظروف جميعًا. وأبسط أنواع الاختلاف كما يقول الفلاسفة هو أن كل لحظة تمر تضيف إلى الإنسان جميعًا من المعرفة ومن التجربة يحسب حسابه في اللحظة التالية، فلا يمكن بذلك أن يمر الإنسان الواحد بحالة واحدة مرتين.

ولكن أخطر مظهر لهذه المادية، هو تفسيرها للنشاط الإنساني كله على أنه نابع من الجسد. لأنه إذا كان الأمر كذلك، فلا مجال إذن لغير المشاعر الجسدية البحتة. أي أنه لا مجال للجوانب الخلقية ولا الروحية، لأنها لا يمكن أن تنبع من الجسد، ولن يتوصل التجريبيون ذات يوم إلى اكتشاف تغيرات جسدية، كيميائية أو كهربية، يمكن أن تنشأ عنها فكرة خلقية، أو ضمير خلقي، أو مثل من المثل العليا الإنسانية!

ومن ثم توحي هذه النظرية، التي لا تقوم على أساس علمي صحيح، بأن المجتمع والدين والأخلاق كلها سخافات لا موجب لها، لأنه لا وجود لها في جسم الإنسان! وقد آمن الناس بذلك مخدوعين باسم العلم التجريبي، أو هم كانوا مؤمنين بذلك من قبل، فقد كانت إيحاءات دارون وفرويد، والمادية المتغلغلة في النفوس تؤدي إلى هذا الإيمان، ولكن العلم التجريبي زادهم استمساكًا بما تدعوهم إليهم فطرتهم الهابطة المنحلة، لأنه زعم أنه يعطيهم حقائق نهائية ثابتة عن النفس الإنسانية!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت