ولنأخذ مثالًا لذلك الطاقة الجنسية: فالطريقة المثلى في المسيحية هي عدم الزواج. هي التطهر من رجس الغريزة. هي الانقطاع عن هذه الشهوة المدمرة التي تنهك الجسد وتهبط بالروح. ويصنع ذلك كثير من أتقياء المسيحيين، وخاصة رجال الدين. وتنظر المسيحية إليهم على أنهم الأبطال الذين استطاعوا أن يخمدوا شوكة الجسد، ويظهروا على نزعات الشيطان! والشيطان الأكبر في المسيحية هو المرأة التي تخايل للرجل، فتثير فيه ما لا ينبغي أن يثور في نفوس الأتقياء!
ولكن بقية"الشعب"المسيحي يتزوج على أي حال، ولا يأخذ نفسه بالرهبنة والانقطاع عن شهوات الحياة. فهل تنتهي المشكلة عندهم بالزواج؟ كلا! إن الصبي الذي ينشأ في جو العقيدة المسيحية، ينشأ وفي نفسه عقد تستنكر الجنس وتستقذره. وذلك من وحي الإشعاعات الدينية التي يلقيها إليه رجال الدين والكتب المقدسة، ويتلقاها من أبيه ومن مدرسه، ومن كتب النصائح والتحذيرات. فإذا كبر هذا الصبي، ووصل إلى سن المراهقة فالبلوغ، فهناك الأزمة العنيفة التي يصطدم بها على غير انتظار. هناك الدفعة الجارفة التي تنادي به آناء الليل وأطراف النهار: أن اقبل واستجب، واستمتع بتلك اللذة العارمة التي تنبت في أطواء جسدك، وفي الجانب الآخر ذلك السيف المصلت، أو ذلك السوط المرتفع في الفضاء يهدد تهديدًا لا ينقطع، ويكاد يهوي على ظهر ذلك المراهق المسكين، بل هو يهوي عليه فعلًا بين الحين والحين، تمسكه يد خفية لا تبين، يتخيل أنها يد الله، أو يد القسيس، أو يد الوالد، أو المدرس، أو من يكون من صور الرادعين والزاجرين.
عند ذلك يبدأ الصراع، ثم لا يكف أبدًا ...
فدفعة الجسد متجددة لا تنقطع. وإيحاءات الدين التي تصور الجنس دنسًا وقذارة، تلك الإيحاءات التي ترسبت في نفس الفتى وهو طفل صغير، تظل هي الأخرى متجددة لا تنقطع. ومن هذا الصراع تنشأ كما أسلفنا العقد النفسية والاضطرابات العصبية، التي تترك أثرًا لا يمحوه بعد ذلك أن يتزوج هذا الفتى -أو الفتاة- في مقبل الأيام. بل أثبت الطب والتحليل النفسي أن كثيرًا من أسباب الشقاء الزوجي يرجع أصله إلى عقد الصبا والمراهقة، وأن الزواج لم يحلها، بل كبرها كما يكبر المجهر النقطة الصغيرة.
ذلك مثل من أمثلة الاضطراب الذي ينشأ من تعارض هذه التعاليم مع طبائع الأحياء، اخترناه لأنه أبرزها وأوضحها. ولكنه ليس المثال الوحيد. فخذ مثلًا ذلك القول المنسوب للمسيح عليه السلام:
"إذا ضربك أحدهم على خدك الأيمن، فأدر له الأيسر".
إنها كما ترى دعوة نبيلة إلى الصفح والتسامح والغفران. ولكن كم من البشر يستطيع أن يخضع سورة غضبه لهذا الروح الملائكي الذي يقبل العدوان ويمنح الغفران؟ إنها لأقلية ضئيلة جدًا دون شك. أما بقية البشر -الطبيعيين- فإن أول ما يخطر في نفوسهم هو الغضب للإهانة، والرغبة في الانتقام حفظًا للكرامة، وإرضاء للذات. فما موقف المسيحي المخلص لعقيدته بين هذه الرغبة الملحة، التي تعتبرها المسيحية نزغة من نزغات الشيطان، وبين التعاليم المتزمتة المتسامية، التي تفرض عليه الصفح لإرضاء الله أو المسيح؟
إنه على أقل تقدير موقف الصراع. وليس لهذا الصراع -إذا انتهى- إلا إحدى نتيجتين: إما أن تنتصر التعاليم المتسامية، فتكبت الرغبة في الانتقام في باطن النفس؛ ويقول التحليل النفسي إن كثيرًا من الجرائم يرجع مصدره إلى مثل هذا الكبت، وإما أن تنتصر هذه الرغبة، فتعود النفس بعد أن تهدأ سورة الغضب إلى الندم والأسف، وإلى الشعور بالخطيئة، وهو شعور مقلق لا يترك صاحبه في راحة.
وهكذا وهكذا .. كل التعاليم الكنسية المتزمتة.