الصفحة 100 من 162

وما زلت أذكر خبرًا نشرته الصحف العالمية على سبيل التفكهة والترفيه عن القراء، وهو بالغ الدلالة في معناه: ذلك أن جلسة من جلسات الكونجرس الأمريكي تعطلت، لأن امرأة تقطن في عمارة مواجهة للمجلس قد وقفت في شرفتها عارية ... تمامًا لا يستر جسدها شيء البتة .. فانشغل الأعضاء -المحترمون! - بفتنتها الطاغية، وتعطلت أعمال الدولة، ريثما بعث رئيس المجلس"يرجو"السيدة الفاضلة -أو لعلها آنسة- أن تدخل من الشرفة، أو تكتسي، ليتسنى للمجلس أن ينظر في سياسة العالم!!

وهكذا نرى أن الحرية قد أبيحت في الميدان الذي كان ينبغي أن تقيد فيه، بينما هي مغلولة إلى درجة خطيرة في ميدان آخر كان أحرى أن تعدّل فيه القيود بما يحقق العدالة للجميع.

وكان من نتيجة هذه الإباحة أن توسع الناس في تقدير المدى الذي يذهبون إليه في تحقيق حريتهم؛ ونشأ من ذلك لا محالة أن يعتدي أفراد على حقوق أفراد آخرين، أو على كيان المجتمع بوصفه الإطار الذي يحفظ مصالح الجميع.

وكان القانون فيما مضى صارمًا في توقيع العقوبة على الفرد المعتدي، وخاصة حين كان الاعتداء يقع من أحد أفراد القطيع ضد السيد المطاع (ولو لم يكن في الأمر جريمة حقيقية) . ولكن العقوبات ظلت تخف بالتدريج، حتى صارت الجريمة الوحيدة التي تشتد الدول الرأسمالية في محاربتها هي الاعتداء على رأس المال. أما الجرائم الأخرى، والخلقية منها خاصة، فقد صارت تلتمس لها المعاذير، وتخفف العقوبة عليها إلى أقصى حد ممكن، إلى حد اعتبارها أحيانًا مخالفة هينة يعالجها القاضي"بكلمتين"وتنتهي المسألة في بساطة ويسر!

وهنا تدخل علم النفس التحليلي ليبرر الجريمة!

يقول ألدوس هكسلي في كتابه ( Texts and Pretexts) :"إنه لا مناص من أن يقف المحلل النفساني إلى جانب المجرم الخلقي".

وهذا صحيح. فالتحليل النفسي يهبط مع الإنسان من الذروة إلى الدرك الأسفل، يهبط من الشجرة المورقة المزهرة المثمرة، إلى البذرة الغارقة في الطين. فموضع اهتمامه الدائم، ليس هو الإنسان في آفاقه العليا، وإنما هو المنبع الذي تصدر عنه الأعمال، أي الدوافع الفطرية، والطاقة الشهوية الجامحة. والمحلل ينسى -حين يركز اهتمامه كله في هذا الميدان- أن في الإنسان طاقات أخرى غير طاقة الشهوة، من بينها القوة المتحكمة في انطلاق الشهوات.

أو هو لا ينسى، ولكنه ينظر إليها من زاوية أخرى. فهو موكل دائمًا بدراسة حالات المرض النفسي، وهذه تنشأ من الكبت، من الصراع الذي ينشب بين الشهوة الجامحة والقيد المفروض عليها من الخارج، أو من الداخل، حين يتلبس الإنسان بالقوة المسيطرة عليه من الخارج، ويتولى عملها في داخل النفس دون أن يحس.

فهو إذن ينظر إلى هذه القيود نظرة الكراهية والبغضاء. ويرى -من وجهة نظره- أنها تجرم في حق هذا الفرد إذ تسبب له آلامًا مزعجة، وتعطل نشاطه، وتبدده فلا يفيد منه أحد.

وبطول مصاحبة الحالات المريضة، والاهتمام بها، يتخذ المحلل النفساني -دون وعي منه تقريبًا- اتجاهًا عدائيًا نحو القيود كلها، يشمل الضروري منها والزائد عن المعقول [1] .

وإذ كان المجتمع هو الذي يفرض القيود، فهو في نظر المحلل النفساني مجرم مجرم مهما برر موقفه، ومهما قال إنه يضع القيود لكيلا تصطدم الرغبات الجامحة والميول المتطرفة!

(1) حين كتبت هذا في الطبعة الأولى لم يكن قد تبين لي بوضوح أن وراء فرويد -وعلم النفس التحليلي من بعده- مخططًا تخريبيًا، يقوم بتبرير الجريمة، والجريمة الخلقية بصفة خاصة، لتنتشر الجريمة في المجتمع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت