الصفحة 101 من 162

ولكن المحلل النفسي في وقوفه إلى جانب المجرم الخلقي لا يكون على صواب. وكل ما يقوله في تبرير الجريمة هو في الواقع كلام يفسر ولا يبرر. يفسر الجريمة بشرح الخطوات النفسية المتتابعة التي أدت إلى حدوثها. ولكنه لا يبررها، لأنه -كما قلنا من قبل- يغفل القوة الضابطة في كيان الإنسان، وهي واقع علمي لا سبيل إلى إغفاله، ومن الخطأ ولا شك أن نقيم نظرياتنا وتشريعاتنا على أساس إغفاله أو التهوين من قيمته في الحياة البشرية.

كما ينشأ الخطأ كذلك من اعتبار كل مجرم مريضًا نفسيًا، لا إرادة له فيما وقع منه من اعتداء، بل مجنيًا عليه من المجتمع، ينبغي علاجه من شذوذه، دون أن يوقع عليه عقاب.

والاعتقاد بالجبرية النفسية هو الأساس الذي يقوم عليه هذا الاتجاه وما يترتب عليه من تشريعات وقوانين. وقد كان فرويد بطلًا مغوارًا في هذا الميدان، وإليه يرجع الفضل أكثر من غيره في تقرير هذا المبدأ النفسي الخطير.

وقد تكلمنا من قبل عن فرويد، وبينا ما نعتقده من أسباب شذوذه؛ ووصلنا إلى تقرير هذه الحقيقة: وهي أن تطرفه في تطبيق نظرياته، وإغفاله للجوانب العليا من البشرية، أو الإصرار على تفسيرها بما يلوث نظافتها، هو الذي يقلل من قيمة هذه النظريات من الوجهة العلمية، ويحدد المجال الصالح لتطبيقها.

وما يكابر أحد في أن بعض بواعث الجريمة في المجتمع المسيحي الغربي، قد نشأ من سوء تطبيق التعاليم المسيحية، ومن الكبت الذي لا مبرر له في واقع الأمر ... فإن الحجر على كل نزعة فطرية، وتحريم الإحساس بها في داخل النفس، لا بد أن ينشأ عنه هذا الصراع المدمر الذي ينتهي أحيانًا إلى الجريمة.

ولكن التوسع في تطبيق هذه النظرية، حتى تشمل كل جريمة، أمر شديد الخطورة فضلًا عن مجانبته للحقائق العلمية. فكثير من الجرائم في المجتمع الغربي الحديث لا ينشأ عن الكبت، وخاصة بعد أن انحلت القيود، ولم يعد هناك رقيب من المجتمع ولا من داخل النفس يحرم النشاط الجنسي، وهو مبعث الجريمة كلها في نظر فرويد، وكثير غيره من المحللين. وإنما تنشأ الجريمة في هذا المجتمع المنحل من المبالغة في الإباحة ونزع القيود، لأن هذا يؤدي إلى إغراء كل فرد"بتحقيق ذاتيته"على أوسع نطاق، فتتضارب المطالب وتصطدم الرغبات، وتحدث الجريمة.

وحين تتجه التربية إلى عدم إقامة الحواجز أمام رغبات الطفل -خوفًا من الكبت- تكون النتيجة أن ينساق الفرد مع شهواته إلى آخر حد، ويرى في ذلك حقًا مقدسًا لا يجوز لأحد أن يقف في طريقه. وفي الوقت ذاته يتقدم علماء النفس التحليليون والتجريبيون، بمبررات هذا النظام المنحل، حين ينادون بمبدأ الجبرية النفسية الذي يهبط بالإنسان إلى مستوى الحيوان.

على هذا الأساس الخاطئ في التربية وعلم النفس، يقوم المجتمع الغربي المنحل، وتنتشر فيه الجريمة؛ ثم تقدم لها المبررات، فتزداد يومًا بعد يوم، ويتغاضى عنها المجتمع، ويأخذها على أنها أمر واقع لا تجوز مقاومته، ولا تستطاع حتى لو أريدت، لأنها مسألة جبرية ليس لأحد عليها سلطان!

أما الشيوعية فترى أن الجريمة تنشأ من أسباب اقتصادية لا جنسية، ولا نفسية على وجه العموم. وأنه طالما كان المجتمع غير متوازن من الوجهة الاقتصادية فلا بد أن تنشأ الجرائم، لأنه لا سبيل إلى قيام الفضائل في نفوس الفقراء الحاقدين، ولا الأغنياء المترفين. ولذلك فهي ترى أن وجود الجرائم في البلاد الرأسمالية أمر طبيعي، وأنه ليس من العدل مقاومتها ولا فرض العقوبات عليها. كما أنه لا سبيل إلى القضاء عليها مع بقاء الأساس الاقتصادي غير متوازن. وقد مر علينا أنهم يؤمنون بالجبرية الاقتصادية في الحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت