أما في داخل البلاد، فنحن لا نعلم الأمور كلها على وجه اليقين. ومعظم ما يصلنا هو الدعاية إما منهم وإما ضدهم. وعلى أي حال فهم يزعمون أن الجرائم قد انتهت، وإن كانوا لم يزعموا بعد أنهم قد ألغوا المحاكم والسجون! ولعلهم يقصدون أن جرائم السرقة هي التي انقطعت. فإنه لا موجب فعلًا للسرقة إذا أتيح لكل شخص كفايته من الطعام والشراب والكساء. وإن كانت الأخبار قد جاءت ذات مرة بمحاكمة صبي في الثالثة عشرة لأنه زوّر في البطاقات الخاصة بمواد التموين، ليحصل على قدر أكبر من نصيبه. وقالت الصحف التي أوردت الخبر: إن القاضية نصحت الصبي بألا يعود لمثلها أبدًا، ثم أطلقت سراحه.
قد تكون هذه دعاية!
إنما المهم أن الشيوعية لا تنظر إلى الأخلاق على أنها قيمة ذاتية؛ وربما قالت عنها إنها أشياء ابتدعها الإقطاعيون والرأسماليون لحماية نفوذهم من أن تمتد إليه يد"الشعب"المتطلع المحروم! ولذلك فإن ضرورتها تسقط حين يزول الإقطاعيون والرأسماليون وما كان لهم من نفوذ!
وهم لا يرون في الجريمة الجنسية جريمة، لأنهم لا يؤمنون بالإنسانية المترفعة المتعالية عن مستوى الحيوان. ولأنهم في الوقت ذاته مضطرون إلى إطلاق القطيع على سجيته في المسألة الجنسية، تنفيسًا عن الطاقة المكبوتة، ومنعًا لها أن تتكتل فتتجه يومًا إلى تحطيم النظام [1] .
أما الجريمة الكبرى في الدولة الشيوعية، الجريمة التي تنشق لها السماء وتنهد الجبال هدًا، فهي انتقاد النظام الشيوعي، أو التعرض لواحد من الآلهة المقدسين، وخاصة الإله لينين [2] ! عند ذلك ينسى القاضي رحمته المشرقة التي تؤثر النصح على العقاب، وتنسى الدولة مناعة النظام الذي لا تتغلب عليها قوة أيًا كانت، وينسى الدعاة جبرية الاقتصاد، التي تخضع الأرض والسماء لسلطانها بطريقة ذاتية، غنية عن كل قانون .. وينقضّون جميعًا على هذا المجرم الأثيم فيسرعون به إلى المشنقة إن أرادوا له الرحمة، أو ينفونه في ثلوج سيبريا إذا أريد له العذاب! وعندئذ تخرج الصحف الروسية مفاخرة مباهية، بأن الدولة قد قامت بحركة تطهير لحماية النظام!
وبعد ذلك يجدون في أنفسهم الجرأة التي ينتقدون بها عقاب المسلم المرتد، ويتصنعون العطف على هذا"المسكين"الذي لا جريمة له إلا حرية الفكر! وقد تكلمنا في الفصل السابق عن الردة، وسنعود إليها هنا عند الكلام عن الحدود في الإسلام. ولكني أريد أن أثبت في هذا المقام أن شخص الحاكم لا قداسة له في النظام الإسلامي. وانتقاده ليس ممنوعًا. بل إنه لواجب محتم على كل مسلم أن يوجه النقد للحاكم إذا رأى أنه أخطأ في فهم الشريعة أو تنفيذها. والنبي صلى الله عليه وسلم يأمر المسلمين أن يأخذوا على يد الحاكم الظالم وإلا كانوا عرضة لغضب الله. والله يقول"وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَآصَّةً"فيشرك الجميع في المسئولية إذا سكتوا عن الأخذ على يد الظالم، وإن كانوا هم أنفسهم لا يظلمون.
وننتقل الآن إلى الجريمة والعقاب في الإسلام.
(1) يزعم الشيوعيون أولًا أن النظام ليس في حاجة إلى حماية لأنه محبوب من"الملايين". وصحيح أنه يحقق لهم مصلحة مؤكدة، ولكن هذا لا ينفي أن سلب الناس حريتهم الفردية قد يؤدي في أية لحظة، لو ترك بدون تدبير معين، إلى الانتقاض عليه. ويزعمون ثانيًا أن روسيا قد ارتدت إلى المحافظة على الأخلاق. وسواء كان ذلك صحيحًا أو كان دعاية للترغيب.، ففيه على أي حال اعتراف صريح بأن الأخلاق ضرورة لا غنى عنها للحياة البشرية.
(2) سمحت روسيا أخيرًا بمهاجمة ستالين ولكن بعد أن مات!