الصفحة 97 من 162

وربما كان المجتمع الإسلامي -في صورته الحقة- أقل المجتمعات عرقلة لنشاط الممتازين من أفراده، طالما أن امتيازهم موجه لخدمة الله الذي يؤمن به الجميع، ويعملون على إرضائه كل بقدر ما يستطيع.

أما الفرد المنحرف إلى أسفل، في تيار الجريمة، فله حكمه الخاص الذي سنبحثه في فصل"الجريمة والعقاب".

وفي مثل هذا المجتمع لا تكون التقاليد سجنًا يحبس حرية الأفراد، ولا سخفًا لا موجب له. بل هي الحواجز التي تمنع الطغيان، وتنظم المرور بحيث لا يصطدم الغادرون والرائحون: حواجز إذا أحسها الفرد عائقًا لشهواته الجامحة، فهو يحسها في الوقت ذاته درعًا تحميه هو من جموح الآخرين. ولذلك يرتضيها ولا تضطغن نفسه عليها ولا يعمل على إزالتها. لأنها يوم تزول لن يستطيع وهو فرد محدود القوة والمقدرة أن يصد بمفرده طغيان الجميع.

وأكرر هنا مرة أخرى، أنني لا أزعم أن المجتمع الإسلامي يحوّل أفراده إلى ملائكة مطهرين. ولكني أؤكد في ثقة ويقين أنه يرتفع بهم إلى أقصى ما في طاقة الإنسانية أن ترتفع، دون أن تبدو عليهم أمارات الكبت والاضطراب. وإنما يرتفعون متطوعين، شاعرين بأن إنسانيتهم التي كرمها الله ورفعها عن الحيوانية البغيضة، لا تتحقق إلا بهذا الارتفاع. وحتى في أظلم العهود الإسلامية وأبعدها عن روح الإسلام في سياسة الحكم والمال، كان الحكام وحدهم هم الفاسقين. وكانت بقية المجتمع تعيش على التعاون الإنساني الرفيع. وكان الخير هو الغالب، وهو الموجه للأفراد فيما يشعرون وما يعملون ... فلا يشعر الغني أن ماله ملكه وحده ولا الفقير أنه يعيش وحده منبوذًا في المجتمع.

بل حتى حين انقسم العالم الإسلامي إلى دويلات متنافسة متباغضة، كانت الحكومات وحواشيها هي التي تتصارع. وبقي المسلم أخًا للمسلم في كل أقطار الأرض، يلقاه بالبشر والترحاب، ويعاونه على قضاء حوائجه بكل ما في وسعه من جهد.

ولكن المجتمع الإسلامي على نطاقه الواسع من الهند إلى الأندلس، لم يكن يقصر روحه المتسامية المترفعة على أهله من المسلمين، فقد ارتقى بالروح الجماعية من حدود القبيلة وحدود الإقليم، وحدود الأمة الإسلامية ذاتها إلى أن تكون روحًا إنسانية شاملة رحيبة.

ولم يكن ذلك أمانيّ في الضمير، ولا كلامًا يتشدق به المتشدقون. وإنما هي وقائع يشهد بها التاريخ، نقرر أن الإسلام أول نظام على ظهر الأرض هدف إلى تحقيق المجتمع الإنساني. بل إنه النظام الوحيد الذي صنع ذلك، لا على أساس الاستغلال الاقتصادي، ولا الطمع السياسي، وإنما على أساس إنساني بحت، لا تستطيع أن تفسره كل التمحلات التي يقدمها التفسير المادي أو التفسير الاقتصادي للتاريخ، ويزعم أنها تفسر كل حوادث التاريخ، ومشاعر النفوس.

خرج عمر يومًا فإذا بشيخ يهودي ضرير يسأل على الأبواب فسأله: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: الجزية والحاجة والسن ... وهنا تحركت مشاعر الإنسانية الغامرة عند عمر، فقاده حتى وصل به إلى بيته، وأضفى عليه من رحمته وعطفه، وأمر له بصدقة من بيت المال تكفيه الحاجة والسؤال. وقال لخازن المال: انظر هذا وضرباءه، فوالله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخزه عند الهرم.

لم يكن عطف المسلم على المسلم هو الذي دعا عمر أن يصنع ما صنع. وإنما هو الشعور الإنساني الذي لا يقف عند حد، حتى العداوة للدين. وقد كان اليهود من أشد الحاقدين على الإسلام، وعملوا كل ما في وسعهم لعرقلته وتأليب القبائل عليه.

وهؤلاء هم الأسرى من المشركين، الذين ينظر إليهم المسلمون على أنهم كائنات ناقصة البشرية، يوصي بهم الرسول خيرًا. فيفضلهم الآسرون على أنفسهم، فيمنحونهم من الطعام ما لا يكادون يجدونه لأنفسهم، وهم مشتبكون معهم في قتال!!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت