وهو حر على العموم في الاستمتاع بكل طيبات الحياة بالقدر الذي لا يؤذي به نفسه ولا غيره. وحر في التفكير في أمور الحياة على النحو الذي يراه، في داخل الحدود الإسلامية التي تتعرض للأصول العامة في المسائل المتغيرة، ولكنها تترك التفاصيل لكل جيل يحددها حسب حاجاته وملابساته الخاصة. ومن ثم فقد ترك للناس حرية التصرف في تلك الأمور في حدود روح الإسلام بحيث لا يخالفون أصلًا من أصوله العامة. فكل فكرة أو عمل لا يعارض العقيدة ولا المصلحة العليا، مباح للفرد بدون استثناء. والعقيدة ذاتها قد تعرضت لمبادئ عامة هي وحدانية الله وعبودية الناس له وحده دون شريك. ولكنها تركت كثيرًا من التفصيلات، ولم تصنع كالكنيسة المسيحية حين حتمت على الناس أن يعتنقوا آراء معينة، من خرج عليها فهو كافر، بينما هذه الآراء لم تكن على صواب من الناحية العلمية، فنتج من ذلك أن كفر الناس بالكنيسة وبالدين. أما الإسلام فقد ترك الناس -مثلًا- يختلفون في مسألة الإسراء هل هو بالروح أم بالجسد، ويظلون مع اختلافهم مسلمين مؤمنين. ويختلفون في وصف الآخرة، وفي أمر آدم هل هو أول الخلق أم هو"خليفة"لأجيال سابقة .. كل ذلك دون أن تمس عقيدتهم أو يعتبروا كافرين.
فالعجب بعد ذلك أن يزعم الشيوعيون أن الإسلام نظام دكتاتوري! وغير هؤلاء كانوا أولى بالكلام عن الحرية، وهم الذين لا يكادون يتنفسون إلا أن تأذن لهم الدولة، وتحدد لهم القدر المباح من الهواء!
إن الذي لا يباح للمسلم، ويعتبر في الظاهر من قبيل الحرية الشخصية، هو الكفر بعد الإيمان، ورفض التحاكم إلى شريعة الله. وعقوبته الصريحة هي القتل.
ولكن الارتداد ليس مسألة شخصية وإن بدا لك في ظاهر الأمر. ولا أحب أن أدخل في جدل مذهبي فأسأل أولئك المتبجحين: كيف كان يجوز أن يُقتل شخص بل مئات وآلاف لأنهم لا يؤمنون بستالين، ثم يباح للناس ألا يؤمنوا بخالق ستالين؟ على أن غير المسلم له أن يعتقد ما يشاء، وليس لأحد عليه سلطان -حتى داخل الدولة الإسلامية-"لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ". وإنما يعاقب المسلم المرتد. فما معنى ارتداده عن الإيمان؟
إن الارتداد عن دين الله بعد الإيمان معناه إفساد نظام لا مجرد تغيير عقيدة فردية. فالإسلام نظام عملي قائم على عقيدة، ومجتمع قائم على هذا النظام. وأوامره -كما رأينا فيما سبق- مفروضة لصالح الفرد أولًا، وصالح المجتمع في الوقت ذاته. فهي إذن ليست مسألة شخصية، وإنما يرجح الضرر والنفع فيها على الجميع.
بل إن عبادة الله الواحد، لترفع الفرد عن أن يستذل لأية قوة أخرى على الأرض، سواء كانت قوة السلطان الجائر، أو قوة المال أو غيرها مما يستذل الأفراد والمجتمعات التي لا تؤمن بالله. وهذا الإيمان يدفع المؤمن الحق، بل يكلفه تكليفًا أن يضرب على يد الحاكم إذا استبد وخرج عن شريعة الله. فليس لصالح نفسه إذن ينفذ الحاكم عقوبة الردة على المرتد. وإنما لصالح الجميع حاكمين ومحكومين.
الآن رأينا كيف تقوم العلاقة بين الفرد المسلم والمجتمع الإسلامي.
وهي حين تقوم على هذا الأساس الذي يتسم بروح التعاون والتكافل بين الجميع في الواجبات والحقوق، لا تدع مجالًا لانقسام المجتمع إلى طبقات مستغِلة وطبقات مستَغلّة. طبقات حاقدة وطبقات محقود عليها. طبقات يتمنى بعضها زوال بعض، وتعمل بينها الكراهية والبغضاء.
ولا تدع مجالًا كذلك لشعور الفرد بأن المجتمع هو القيد الذي يضيّق عليه، أو الغول الذي يتعقبه ليفتك به. ولا لشعور مجموع الأفراد بأن كل واحد من بينهم قوة معادية ينبغي أن تخضع وتقهر، لتسير على هواهم في كل الأمور.