الصفحة 95 من 162

ولكن الإسلام يذهب إلى أبعد من ذلك في دفع الضرر، وصيانة المصلحة العامة والخاصة لجميع الأفراد. فهو لا يمنح حق الردع والزجر لولي الأمر وحده، وهو ممثل المجتمع، المكلف بالإشراف على شئونه. بل يجعل كل فرد في الأمة مكلفًا تكليفًا شخصيًا بتغيير المنكر، سواء وقع عليه هو أم وقع على أي مسلم في أقصى الأرض، وسواء كان المنكر من الحاكم أو المحكومين:"من رأى منكم منكرًا فليغيره"."والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنّه على الحق أطرا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض".

وهكذا يصبح كل شخص فردًا بالنسبة لنفسه مطالبًا بحقوقه المشروعة، ومجتمعًا، أو ممثلًا للمجتمع بالنسبة للآخرين، يسعى لدفع الضرر عنهم كما يدفعه عن نفسه، ويعاونهم على نيل حقوقهم كما ينالها لنفسه. وذلك أقصى الغاية في العدالة المتوازنة، وفي التمشي مع فطرة الأمور.

أما ما يتحقق به النفع الفردي، ولا ينتج منه ايذاء لفرد بعينه، أو لمجموع الأفراد، فالحرية مباحة فيه إلى آخر الحدود.

فكل فرد يختار عمله بنفسه، وبما يرى أنه موهوب فيه. ولا تتدخل الدولة لتفرض عليه لونًا معينًا من العمل، كما تصنع الدول الاستبدادية، بحجة أنها أدرى من الفرد بنفسه، وأدرى منه بحاجات المجتمع! إن المجتمع ينظم نفسه في هذا الشأن بطريقة ذاتية لا تحتاج لتحكم الدولة. وإنما كل واجب الحكومة -وهي المهيمنة على السياسة العامة- أن تهيئ أحسن الفرص للحصول على أحسن نتيجة، وأن تنصح إذا لزم النصح، وتنظر في أن أحدًا لم يحرم من فرصته الملائمة بسبب اضطراب الأحوال الاقتصادية أو الاجتماعية.

فإذا كان نظام العمل يعد تقدم الصناعة في العصر الحديث، يستلزم طرقًا وقيودًا معينة، فهنا تتدخل الدولة لرسم السياسة العامة، ولكنها لا تفرض على فلان أن يكون مهندسًا، أو طبيبًا أو عاملًا في مصنع، لمجرد أنها ترى أن ذلك خير ...

والآباء أحرار في أبنائهم، في حدود التربية الإسلامية بطبيعة الحال. فهم ليسوا أحرارًا في إفساد أخلاقهم، ولا تركهم بدون رعاية. وللدولة في هذا الصدد حق الإلزام، أو تكليف غيرهم إذا كانوا عاجزين لأسباب خارجة عن إرادتهم. وإنما هم أحرار في الشعور بأن أبناءهم ملك لهم -بعد الله- لا ملك للدولة تتدخل في كل صغيرة وكبيرة من شئونهم.

إن الدولة الشيوعية -مثلًا- لترى من حقها الإشراف الكامل الدقيق على الأبناء ما دامت هي التي تكفل لهم الغذاء والكساء .. كأنما الحياة كلها هي الغذاء والكساء. أو كأنما يجوز لأحد أن يستعبد أحدًا بلقمة الخبز. ألا إنها حطة للبشرية، ونزول بها عن مستواها الكريم في آفاقها العليا، لتكون حاجة جسد وضرورة عيش!! والواقع أن الدول الدكتاتورية تكره رابطة الأسرة كراهية عنيفة. لأنها أولًا تقف في سبيل رغبتها الجامحة في الإشراف بنفسها على تنشئة الأطفال حتى لا يخرجوا على النظام المفروض. وثانيًا لأنها تعاكس نظام الجاسوسية الذي لا تقوم الأمور بدونه في ظل الاستبداد. وبدلًا من أن يقروا بتلك الحقيقة السافرة يزعمون أن قوة روابط الأسرة هي من سمات المجتمعات المتأخرة!! وهذا على أي حال اعتراف منهم بأن مجتمعهم"المتقدم"خلو من هذه الروابط الإنسانية!

والفرد في الإسلام حر في أن يمتلك ما يشاء في الحدود العامة التي تمنع الإيذاء، وذلك في مقابل حق الدولة في أن تسترد الفائض من هذه الملكية حين ترى أن المصلحة العامة لا تتحقق بغير ذلك.

وحر في اختيار حاكمه، بانتخاب حر لا تتدخل فيه سلطة الحاكم، ولا نفوذ أسرته، ولا يخضع لضغط أي"طبقة"من الطبقات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت