وإذا كان المسلمون قد انحرفوا في الماضي عن تطبيق مبادئ الإسلام كاملة في سياسة الحكم وسياسة المال، فلعلهم اليوم أقدر على ذلك، على ضوء تجارب البشرية التي اقتربت -في بعض جوانبها- من الصورة الإسلامية وإن اختلف الأساس كل الاختلاف.
وفي الإسلام لا تتدخل الدولة ممثلة المجتمع في الحرية الشخصية للأفراد. ولكن الحرية الشخصية هنا شيء آخر غير ما تفهمه الدول المنحلة، التي تترك أفرادها يعيثون فسادًا في الأرض باسم الحرية الشخصية.
فقد رأينا تدخلها في مسألة المال لحماية المجتمع من أخطار عدم التوازن، التي تؤدي إلى الفتن والثورات وانحلال عقدة المجتمع، بسبب وجود الترف المجرم من جانب، والحرمان الكافر من جانب آخر. وهنا يفترق الإسلام افتراقًا أساسيًا عن الدول الرأسمالية التي تترك حفنة من الناس أحرارًا في استعباد بقية الشعب، لمصلحتهم الخاصة. وإذا كانت بعض هذه الدول الرأسمالية قد اهتدت أخيرًا جدًا إلى نوع من التوازن، عن طريق نظام الضرائب التصاعدية، أو تأميم وسائل الإنتاج، فقد سبق الإسلام في ذلك كله، وفيما هو أوسع منه، قبل أن تنشأ الشيوعية التي أخافت هذه الدول فأجبرتها على التعديل. فلم يكن نظام الإسلام اضطرارًا لمواجهة خط أجنبي محدق، وإنما كان تطوعًا وإنشاء، في فترة كانت أوربا فيها تعيش في ظلمات الجهالة والاستعباد ...
ليس استغلال الآخرين إذن حرية شخصية في الإسلام.
وكذلك الانحلال الخلقي أمر غير مباح. وحكمة تحريمه واضحة بعد كل الأمثلة التي ذكرناها من قبل، والتي تبين الأثر السيء الذي ينتج من هذا الانحلال على مدى الأجيال. وليس الإسلام من قصر النظر بحيث ينظر إلى جيل واحد كأنه مقطوع الصلة بما قبله أو بعده من أجيال. فالإنسانية حلقة مستمرة. والذي نصنعه اليوم يؤثر حتمًا فيما يحدث غدًا. وأبناؤنا الذين نربيهم ونحن منحلون، أو نهمل تربيتهم لهذا السبب، سيكونون أكثر انحلالًا في الجيل القادم، لأن الإفلات من القيود والارتداد إلى الحيوانية أسهل على الأفراد والمجتمعات من ضبط الشهوات ومحاولة الارتفاع. ومن هنا كانت التربية الرشيدة واجبًا دائمًا لا يسقط من الآباء، ولا عن أولياء الأمر في أي جيل من الأجيال.
والاعتداء على الآخرين بأية صورة من الصور أمر كذلك غير مباح. فإصابة أي مسلم في دمه أو عرضه أو ماله أو كرامته أمر لا يجوز لأحد من الحكام أو المحكومين.
فحدود الحرية الشخصية إذن في الإسلام هي عدم الإيذاء للآخرين، سواء كان الإيذاء يقع على فرد بعينه، أو على المجتمع كله. وسواء كان الضرر الناشئ واضحًا لمرتكبه، عاجل الأثر، أو كان خفيًا لا يتبين مداه إلا بعد أجيال.
ولا يستطيع أحد مهما أوتي من الجرأة على الحق، أن يماري في أن دفع الضرر أمر واجب. وأن المجتمع، والدولة الممثلة له، مكلفان بعمل كل ما في طاقتهما في هذا السبيل.
وأدق ما قيل في تصوير ذلك هو قول الرسول صلى الله عليه وسلم:"مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الدين في أسفلها إذا استقوا مروا على من فوقهم، فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا! فإن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا".
تلك هي الحدود المأمونة للحرية الشخصية، وهي الوسط المتوازن بين اتجاهين متطرفين.