ذلك أن الحاكم في الإسلام لا يمثل طبقة ولا بيتًا ولا طائفة. إنما هو رجل من المسلمين اختاروه بالشورى، وبملء حريتهم لينفذ شريعة الله، لا شريعته الخاصة. شريعة الله التي تسوّي بين الجميع في الكرامة الإنسانية وحق الحياة. ونصيب الحاكم من هذه الشريعة هو نصيب كل فرد آخر من المسلمين، لا امتياز له إلا حق الهمينة والإشراف، وحق السمع والطاعة من المحكومين، طالما كان ذلك كله في حدود شريعة الله. فإذا شذ عنها ابتغاء مغنم لنفسه أو أهل بيته، أو طبقة من المسلمين دون طبقة، سقطت طاعته على حد قول أبي بكر:"أطيعوني ما أطعت الله فيكم، فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم".
بقيت مسألة خطيرة هي مسألة المال، أو المشكلة الاقتصادية، وهي ركن أساسي من أركان المجتمع لا يقوم له بدونها كيان. وقد تزعم الشيوعية أنها هي التي اكتشفت أو اخترعت العدالة الاجتماعية في القرن العشرين. وقد يتابعها المستغفلون في الشرق الإسلامي، فيفتحون أعينهم مبهورين بما هناك، ويقولون: انظروا! هذه هي العدالة، لا الإسلام الذي يبيح الملكية الفردية بدون قيد ولا شرط!
وليس أكذب من هذا على الحق والتاريخ. فالحقيقة أن العدالة الاجتماعية -الاقتصادية- هي الركن الركين في الإسلام، لا على الأسس الشيوعية المحدودة، التي تنتهي عند ضرورات الجسد، وتهبط بالإنسان إلى مستوى الحيوان، وإنما على أساس إنساني شامل رفيع، يشمل عدالة المال كاملة، ويضيف إليها العدالة الإنسانية في أعلى الآفاق.
وعلى ما لهذه النقطة من الأهمية البالغة في كيان المجتمع، فإني لا أملك في بحث نفسيّ أكثر من الإشارة إليها. وقد تكفل بشرحها بطريقة وافية دقيقة كتاب"العدالة الاجتماعية في الإسلام"لسيد قطب. ومنه أخذنا فكرة التوازن في المجتمع الإسلامي. وتلخيصها في أبسط صورة: أن المال ليس ملكًا حقيقيًا لأحد، وإنما هو مال الله يستخلف فيه الجماعة. والمالك موظف فيه بعمله وجهده، وحسن التصرف فيه. فإذا أساء التصرف فيه عاد حق التصرف فيه إلى الجماعة. كما أن لولي الأمر في كل وقت أن يسترد الفائض من المال إذا اقتضت الضرورة ذلك، لموازنة المجتمع، ودفع الضرر الذي ينشأ لا محالة في مجتمع غير متوازن.
فإذا وجدت العدالة الاجتماعية -الاقتصادية والإنسانية- التي لا تحرم الفرد من نشاطه الحيوي المعقول، وتقف به في الوقت ذاته عند الحد الذي لا يؤذي الآخرين، أمكن أن تقوم العلاقة بين الناس في المجتمع الإسلامي على الود والإخاء، لا على التشاحن والبغضاء. ولم تكن هناك"طبقة"واحدة وأخرى محرومة. بل"أفراد"يملكون، بوسائل محددة واضحة، ودولة أو حاكم، يأخذ فضول ما يملك هؤلاء فيردها إلى الفقراء لأنها حق لهم، لا منحة يمنحونها. حق تعطيه إياهم الدولة وهم كرماء على أنفسهم وعليها، لا أذلاء ولا مستضعفون.
وليس من الضروري في كل حالة أن تعطيهم إياه نقدًا وعينًا. فهي تستطيع أن ترده إليهم ومدارس ومستشفيات ومساكن صحية ومواصلات رخيصة ... إلى آخر ما يمكن تصوره من التسهيلات [1] .
ولا بد هنا من بيان حقيقة تاريخية هامة. فمما لا شك فيه أن المجتمع الإسلامي لم يحقق بعد أبي بكر، تعاليم الإسلام وروحه كاملة في مسألة المال وفي طريقة الحكم. ولكن هذا لا يعني أن الإسلام نظالم خيالي أو مثالي [2] ، فإن تحققه كاملًا في عهد الشيخين يقطع بأنه ممكن التطبيق. وقد استطاع عمر بن عبد العزيز، بعد فترة من قيام الحكم الأموي أن يعيد الإسلام سيرته الأولى في كل شيء.
(1) في كتاب"شبهات حول الإسلام"بعض التفصيل لهذه الموضوعات.
(2) في كتاب"شبهات حول الإسلام"بعض التفصيل لهذه الموضوعات.