وقد كان هذا يكون معقولًا وصحيحًا لو لم يتعرض لإصدار أحكام عامة على البشرية كلها، منذ مولدها إلى وقتها الحاضر، ويصر على أن هذه هي الصورة الوحيدة الصحيحة للبشرية جمعاء! ويصدر تفسيرًا معينًا للدين، ويصر على أن كل الأديان بلا استثناء خاضعة لهذا التفسير!
ومع ذلك فإذا التمسنا الأعذار لفرويد من إيحاءات العصر الذي كان يعيش فيه، وملابسات حياته الشخصية، فليس هناك عذر لنا نحن حين نقتنع بصحة آرائه، ونعتقد أن البشرية كلها هي كما وصفها، والدين كله كما رآه [1] .
ومن الواجب علينا أن نعيد النظر في هذه الآراء والنظريات، فنأخذ منها الصواب ونتجتنب الخطأ. وسنجد حين نصنع ذلك أن كثيرًا من الجزئيات قد يكون صحيحًا. ولكن الخطأ الأكبر والأخطر فيه، هو أن يقف بالإنسان عند مرحلة أقرب إلى الحيوانية، ولا يدع مجالًا للارتفاع به فوق عالم الضرورات.
ولو أنه قال في حق الإنسانية ما قال، ثم ترك الباب مفتوحًا لإضافة جوانب أخرى في النفس البشرية: الجوانب النظيفة المرتفعة المتسامية، ولم يصر على تشويهها وطمس إشعاعاتها بتفسيراته الملتوية المتحايلة، لما اعترضنا عليه في كثير.
فمن البديهي أن معظم الأحاسيس البشرية يقع في محيط الأرض، ويهبط إلى عالم الضرورة، ولكن القلة التي ترتفع عن هذا المستوى -مختارة- وتنطلق من عقال الجسد، هي أحق الجوانب البشرية بالتسجيل والإشادة، لأنها هي"الإنسانية"! هي التقدم الذي ارتفع بالإنسان عن سوالفه من الحيوان. وإن تطبيقنا لنظرية النشوء والارتقاء لهو ذاته الذي يدفعنا إلى تسجيل هذا الرقي الهائل الذي رفع الإنسان عن أسلافه، فتفرد بينهم جميعًا بمزايا نفسية وروحية، لا وجود لها في الكائنات الأخرى، وهي مزاياه الأصيلة التي لا يجوز إغفالها، ولا تفسيرها على طريقة الحيوان!
وأيًا يكن نصيب آرائه من الخطأ أو الصواب، فقد كان لها في المجتمع الغربي أثر كبير عنيف. ولا تكاد توجد نظرية واحدة قد أحدثت ما أحدثته من الانقلاب في سير المجتمعات إلا نظرية دارون من قبل، ونظرية كارل ماركس التي سبلقت فرويد في الزمن ولكنها لحقته في التنفيذ ...
لقد اعتنقت آراءه الجماهير، يظاهرها في ذلك كثير من العلماء. ولم يكتفوا بنصوص نظرياته، بل توسعوا في تفسيرها على هواهم. وآمنوا جميعًا بأن الأمر الطبيعي هو أن تنطلق الغرائز من معقلها، ولا تقف عند حد إلا حد الاكتفاء! ولما كان المجتمع والدين والأخلاق والتقاليد تقف كلها في سبيل هذا الانطلاق، فقد بدأ الناس -والشباب خاصة- ينظرون إليها على أنها أمور غير طبيعية، وغير منطقية. وأنها من تراث الماضي العتيق الذي كان غارقًا في ظلمات الجهالة، فلا ينبغي أن نبقى عليها اليوم وقد خرجنا إلى النور ..
ونشأ جيل متشبع بهذه الآراء على ما فيها من مبالغة وأخطاء. جيل يرى أنه ليس أمامه إلا أحد أمرين: إما احترام المجتمع ووصايا الدين، وتقدير القيم المعنوية والخلقية، فينشأ من ذلك الكبت والمرض والاضطراب .. وإما تحطيم تقاليد هذا المجتمع، وإلقاء الدين جانبًا، وطرح القيم الخلقية والمعنوية، لتحقيق السعادة الفردية، بمعنى الحصول على اللذة الجسدية، ولتحقيق شعور الأفراد بذواتهم واستقلالهم وحريتهم.
(1) تبين لي فيما بعد -كما أثبتّ في كتبي التالية- أن فرويد لم يكن معذورًا فيما يقول!