كذلك الأمر في الشذوذ النفسي. ففيه مشابهة شكلية للعملية النفسية الطبيعية، ولكنه يختلف عنها اختلافًا رئيسيًا في الوظيفة. فلا يمكن الحكم عليه بنفس الطريقة التي نحكم بها على الحالة السوية، لأن هذه تؤدي وظيفة نافعة للنفس لا تتعارض مع كيانها الأصيل، بينما الشذوذ يتعارض مع هذا الكيان، ويؤدي إلى تدميره وإفساده. كذلك لا يجوز أن نعرض القضية في صورة عكسية فنقول: إن الحالة الطبيعية تصغير للحالة الشاذة، كما يود فرويد أن يقول: ليبرر إصدار حكم واحد على الحالتين.
ونأخذ على سبيل المثال حالة السادزم في صورتها السلبية (الماسوشزم) أي استشعار اللذة من الألم. ففي كل فرد سوي قدر من هذا الشعور. وهو يؤدي وظيفته الطبيعية في حدود هذا القدر، لأن بعض عمليات النمو ذاتها يصحبها شيء من الألم (كنمو الأسنان مثلًا) ولأن الضرورة تقتضي أحيانًا أن يتعرض الإنسان لشيء من الجوع والعطش. بل إن تكوين الأخلاق والمشاعر العليا لا يتم بغير الامتناع عن أمور معينة، وهذا الامتناع لا بد أن يحدث شيئًا من الألم في مبدأ أمره على الأقل [1] . فلو لم يكن في الجسم ولا في النفس قابلية لاحتمال الأم واستعذابه ما أمكن أن تتم هذه الأمور.
ولكن الحالة المرضية تختلف عن ذلك في الوظيفة والغرض وإن تشابهت الصورتان. ففي حالة الشذوذ لا تتم اللذة إلا عن طريق الألم، سواء في المسألة الجنسية أو في أي شعور آخر. وهكذا يصبح الشذوذ معطلًا للنشاط الحيوي الطبيعي، منحرفًا به عن الطريقة التي تتم بها الفائدة الكاملة.
فكيف يجوز إذن أن نقول إن الماسوشية مجرد تكبير للحالة الطبيعية، أو أن الحالة الطبيعية هي مصغر الماسوشية!!
وإذ كانت كل أحكام فرويد قائمة على هذا الاستنتاج الخطير من الحالات الشاذة -وهو لا ينكر ذلك- فهي عرضة للخطأ أو المبالغة على أقل تقدير.
وأشد ما يبدو ذلك في افتراض أن كل أبناء البشرية يصابون بعقدة أوديب، ثم يتغلبون عليها بطريقة ما! وذلك لكي يفسر الحالات الشاذة التي عرضت له، والتي وجد فيها أطفالًا مصابين فعلًا بهذه العقدة!
فمقله في ذلك كمثل من يجد بعض الأطفال يولدون بست أصابع لا خمس كالمعتاد؛ فبدلًا من أن يقول: إن هذه حالات شاذة، يزعم أن كل الأطفال تتكون لهم ست أصابع، ولكنهم -بطريقة ما- يتخلصون من الأصبع السادسة ويولدون بخمس فقط، فيحسب أمثالنا من الجهلاء أن هذا هو الأصل في جميع الأطفال!!
والغلطة الثانية عند فرويد هي تعميم أحكامه المستمدة من جيل معين ومجتمع معين، على البشرية كلها في جميع أجيالها وجميع أنماطها. والأحكام الخاصة بالدين المسيحي في صورته الكنسية على الدين عامة بما فيه الدين الإسلامي، الذي يختلف اختلافًا أساسيًا في نظرته إلى النفس الإنسانية عن كل ما عداه من النظم والعقائد. وما من شك في أن فرويد، بأفقه الضيق المحدود، كان عاجزًا عن الدخول في رحاب الإسلام، وتفهم روحه السمحة الطليقة التي لا تعتمد على الكبت، ولا صلة لها بعقدة أوديب، فليس في الإسلام ابن قاتل ولا أب مقتول!!
وقد يقول قائل: إن فرويد لم يكن يعنّي نفسه بهذه المباحث الفلسفية النظرية، وإنما كانت تعرض له حالات معينة فيدرسها ويستنتج من دراستها آراء معينة، يسجلها على أنها تجارب علمية، بصرف النظر عن مدلولاتها من الناحية الدينية أو الأخلاقية أو الاجتماعية!
(1) يقول فرويد كما قدمنا: إن المشاعر العليا لا تتم بغير الكبت. ولنا رأي آخر سنذكره في فصل"نظرة الإسلام". ولكن لا جدال في أن الامتناع عن العمل الغريزي يصاحبه الألم، حتى يتعود الإنسان على هذا الامتناع.