الصفحة 25 من 162

يقول في كتاب"Three Contributions to the Sexual Theory" [1] ص82: تحت عنوان"التسامي". "أما ثالث أنواع الشذوذ (الجنسي طبعًا) فإنه يحدث نتيجة عملية"التسامي"حيث تصرّف الطاقة الشهرية الصادرة من منابع جنسية فردية، في مجالات أخرى [2] ، وينتفع بها في هذه المجالات. وهكذا يحصل الإنسان على قوة "نفسية"كبيرة، من استعداد نفسي هو في ذاته خطير"!

وهو أصرح من هذا في بيان رأيه إذ يتحدث في ص85 من نفس الكتاب عن"التعارض القائم بين الحضارة وبين النمو الحر للطاقة الجنسية"!

فإن شئت صراحة أكثر من ذلك فهي حيث يقول في كتاب"The ego and the id"ص80:"إن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجتها الطبيعية العادية"!

على أني لا أريد أن أنكر أن فرويد ربما كان محقًا في بعض ما يقوله عن الدين والمجتمع والأخلاق والتقاليد بالنسبة للمجتمع الأوروبي. فقد كان المجتمع المسيحي الذي عاش فيه، واستمد منه تجاربه وأبحائه، يتسبب بتزمته وصرامته في كثير من ألوان الشذوذ والاضطراب. وقد رأينا من قبل إلى أي حد يتعارض هذا التزمت مع طبيعة الحياة والأحياء، وكيف يصطدم بالنوازع الفطرية في النفس البشرية، فيقوم بينهما الصراع الذي لا يمكن أن يؤدي إلى الخير.

من هذه الوجهة إذن ربما كان له بعض العذر فيما يقول. ولكنه من وجهة أخرى غير معذور! فثمة خطأ فني في الطريقة التي يستقي بها أحكامه.

لقد كانت كل تجاربه في محيط الشواذ. ومن هؤلاء الشواذ استقى أحكامه على الأصحاء بدعوى أن في الناس جميعًا قدرًا من الشذوذ [3] ! وأن الشذوذ ما هو إلا تكبير للحالة الطبيعية، وقد نشأ في الأصل من حالة طبيعية [4] !

والخطأ في هذه النظرة أن النشاط الطبيعي في الحالة السوية يؤدي وظيفة لا يؤديها النشاط الزائد أو المنحرف. وعلى هذا الأساس، أي على أساس الاختلاف في الهدف والوظيفة ينبغي أن ننظر إلى الشذوذ، لا على أساس التشابه أو الاختلاف في المظاهر والأشكال.

ونضرب مثالًا لحالة جسدية قد تفيدنا في تفهم الحالة النفسية:

ففي الجسم السوي عملية نشاط دائمة تقوم بها الخلايا في نطاق معين، إذ تنمو خلايا جديدة على الدوام، لتعوض ما يستهلك منها في العمليات الحيوية المختلفة التي يقوم بها الجسم. وهذا النمو له وظيفة معلومة. وهو يستمر بطريقة طبيعية ليؤدي هذه الوظيفة، وإلا أصيب الجسم بالعجز والفناء.

ولكن حالة مرضية تصيب الجسم -لأسباب لم تزل مجهولة- فيحدث نشاط زائد في نمو الخلايا، لا يؤدي وظيفته العادية، بل يمتص غذاء الجسم، ويقف حائلًا دون نشاطه الطبيعي.

هذه الحالة لا توصف بأنها مجرد تكبير للنشاط العادي للخلايا، بل تعرّف بأنها ورم خبيث؛ وليس يفسرها في شيء أنها نشأت في الأصل من وظيفة طبيعية يقوم بها الجسم في حالته السوية. ذلك أنه وإن كان هناك تشابه شكلي في عملية النمو مع اختلاف في القدر، إلا أن النمو لا يؤدي وظيفة واحدة في الحالين، فهو في الأولى عملية ضرورية يقوم عليها بناء الحياة، وفي الثانية عملية ضارة خطرة على الحياة [5] .

(1) ترجمة أ. أ. بريل، طبعة سنة 1910.

(2) أي غير المجال الجنسي.

(4) المصدر السابق ص14.

(5) لعلماء الطبيعة اصطلاح خاص بهذا الشأن قد يهم القراء أن يعرفوه، خاصة وهو يستخدم أحيانًا في العلوم الاقتصادية والاجتماعية وهو أن"التغير الكمي إذا زاد عن قدر معين ينقلب إلى تغير نوعي"أي أن الزيادة لا تقتصر حينئذ على المقدار ولكنها تحدث تغيرًا في النوع أيضًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت