الصفحة 24 من 162

وامترج شخص الأب في شعورهم ببعض أنواع الحيوان -وتلك عملية نفسية طبيعية كما يقول فرويد [1] ! - فقدسوا هذه الحيوانات ومنعوا قتلها، وذلك تكفيرًا عن قتل أبيهم، ورغبة في تقديس ذكراه! وبذلك نشأت أول ديانة على ظهر الأرض وهي الطوطمية."وكل الديانات التي جاءت بعد ذلك هي محاولات لحل المشكلة ذاتها (إحساس الأبناء بالجريمة) وهي تختلف بحسب مستوى الحضارة التي ظهرت فيها، والوسائل التي تطبقها، ولكنها جميعًا تهدف إلى شيء واحد، وهي رد فعل لنفس الحدث العظيم (قتل الأب) الذي نشأت عنه الحضارة، والذي لم يدع للإنسانية منذ حدوثه لحظة واحدة للراحة [2] "!

ثم يجد الفرصة السانحة لغمز المسيحية، العدو الأول لليهودية، وكأنما كان يرتب هذه المقدمات كلها ليصل إلى هذه النتيجة، فيقول: إن أساطير المسيحية تصور في حقيقتها رغبة الابن (المسيح) في قتل والده (الرب الإله) وإن كان قد كبت هذه الرغبة، فقتل نفسه هو بدلًا من أبيه، ولكنه في الوقت ذاته أصبح إلهًا مكان أبيه [3] !!

على أن الأمر لا ينتهي بتحقير الدين في منشئه، والزعم بأنه نشأ من عقدة أوديب، أي من شهوة جنسية مكبوتة. فهو يقول: إنه ما زال يمثل هذه الأفكار والمشاعر إلى هذه اللحظة!

وذلك فضلًا عن تصويره بأنه كوابت للنشاط الحيوي، نشأت من سخافة قديمة، كانت مفهومة عند الهمج والبدائيين. أما الآن فإن مهمته قد انتهت، فهو يترك مكانه للعلم [4] . وهذا ما يليق بالبشر المتحضرين!

أما المجتمع والأخلاق والتقاليد فهي"الحراس"الذين يتربصون بالفرد حتى يفتكوا به أو يوقعوه في سلطانهم ويخضعوه لمشيئتهم. والفرد من جانبه دائم الرغبة في الانتفاض على هذا السلطان، جهرة إذا أمن، واحتيالًا إذا خشي سوء المصير.

وقد لا يقول فرويد صراحة: إنه يعتبر المجتمع والأخلاق والتقاليد سخفًا ينبغي أن يزول، لينعم الفرد بالسعادة، ويهنأ بتحقيق ذاته ولذائذه ...

ولكنه حين يقول لك: انظر إلى هذا المخبول، وإلى ذلك المريض بالهستريا، وذلك المصاب بالصراع، وذلك المصاب بالجنون من غير عيب وظيفي في مخه، وذلك المجرم المأخوذ إلى ساحة القضاء .. إنهم جميعًا ضحايا المجتمع التقاليد، ضحايا الدين ووخز الضمير .. ضحايا تلك العوائق التي تقف في سبيل الفرد وتكبت غرائزه، وتحطم بذلك كيانه وتبدد نشاطه ...

حين يقول ذلك، يوحي إليك بأن الطريقة التي تمنع وقوع هذه العقد النفسية والاضطرابات العصبية، هي أن تزيل هذه الحواجز الضارة، وتطلق المشاعر المكبوتة من محبسها التقليدي!

صحيح أنه اضطر بعد ما وجه إليه من نقد شديد كما يصرح في كتاب"The ego and the id"أن يعترف بما سماه المشاعر العليا للإنسان: وهي الدين اولأخلاق والحاسة الاجتماعية ولكنه أصر على القول بأنها جميعًا تنشأ من قهر النوازع الفطرية الممثلة في عقدة أوديب.

وقد تحسب إذن أن فرويد ينظر إلى عملية الكبت التي يقول إنها السبيل الوحيد للتسامي والارتفاع، على أنها ضرورة بشرية، لا غنى عنها للإنسانية؛ وأنه ينظر إلى التسامي على أنه مزية خصت بها الإنسانية لترتفع عن مستوى الحيوان.

ولكنه لا يدعك لهذا الظن الخاطئ؛ فهو يؤثر الصراحة الكاملة وهو يؤدي رسالته في تلويث البشرية، وتشويه كل معنى جميل!

(1) لم يقل لماذا هي طبيعية. وكل ما استند إليه في تقريرها هو حالات مرضية شاذة لأطفال كانوا يحولون الكراهية المكبوتة في لا شعورهم ضد والدهم، إلى كراهية لبعض أنواع الحيوان وخوف منها.

(4) المصدر السابق ص88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت