الصفحة 23 من 162

وهناك حقيقتان أساسيتان في هذا المجال. الأولى أن قلة عدد هذه الأحلام لا ينفي وجودها، ولا يبرر إسقاطها من الحساب. فلم يقل أشد الروحانيين روحانية إن"كل"أحلام الناس تنبؤية. بل قالوا: إنها القلة التي يراها الإنسان وهو صافي الروح، شفاف النفس، قادر بحالته هذه على اختراق الحجب، والاتصال"بالمجهول". ولكن واحدًا منها يكفي لإثبات هذه الحقيقة النفسية الفذة. فكيف وهي ليست واحدًا فقط، بل مئات وألوف يشهد بها الواقع الشخصي لكثير من الناس؟

المصادفة؟؟

يقول فرويد وحواريوه: إنها المصادفة هي التي تحقق بعض الأحلام، فيخيل للناس أنهم كانوا متنبئين. أو هو إيحاء الحلم ذاته، يدفع الإنسان دون وعي منه إلى تحقيقه!

والمصادفة يمكن أن تفسر بعض الحالات، والإيحاء الذاتي يمكن أن يفسر بعضًا آخر. ولكن تبقى بعد ذلك حالات لا يمكن تفسيرها على هذا الأساس. والتمحل، والتحايل غير العلمي، هو وحده الذي يصر على تنكب الطريق، لإثبات رأي غير دقيق.

ولنا في اعتراف فرويد الأول، الذي نكل عنه في صفحة تالية، ما يكفي لإثبات أن"بعض"الأحلام على الأقل، لا ينطبق عليها تفسيره الذي ينفي عالم الروح، بل ينفي كل شيء خارج حدود الإنسان وعقله الباطن، وهو"المخزن"الذي تودع فيه تجارب الفرد الشخصية، وملابسات حياته الصغيرة المحدودة.

والحقيقة الثانية: هي أن عدم وصول العلم حتى اليوم إلى تفسير هذه الصلة الخفية الدقيقة التي تربط الإنسان بالكون الكبير والغيب المجهول، لا تعني حتمًا أن هذه الصلة غير موجودة. وكل ما تعنيه أن العلم لم يصل إليها بعد. ومن يدري لعله يصل إليها بعد حين. وقد اعترف العلم اليوم بالتليباثي [1] وهو عجيبة من العجائب بالنسبة للإنسان المحدود الطاقة، والمحدود مدى الحواس. فما يمنعه أن يصل غدًا إلى آفاق أكبر وأوسع في تفسير النفس الإنسانية، وخاصة بعد وقوعه على أسرار الذروة والإشعاع؟!

ليس إصرار فرويد إذن على نفي العامل الروحي من حياة البشرية مستندًا إلى واقع علمي ثابت، وإنما هو تفسير ناشئ من تأثرات خاصة لا شأن للعلم بها، وليس فرضًا علينا، نحن المسلمين خاصة، أن نؤمن بها، ونتلقفها على أنها آيات من التنزيل.

أما نظرته إلى الدين فقد وصل فيها إلى أقصى الغاية في تشويه المثل الإنسانية الرفيعة، وتصويرها في أقبح صورة ممكنة!

فهو يرى أنه نشأ -أول ما نشأ- من جريمة منكرة. فقد حدث في جيل من أجيال الإنسانية الأولى أن أحس الأبناء برغبة جنسية ملحة نحو أمهم التي ولدتهم (لا أددري، ولم يقل فرويد، لماذا لم يتجهوا إلى الإناث الأخريات، اللاتي خرجن معهم في جيل واحد!) ولكن سطوة الأب كانت تمنعهم من هذه الشهوة الآثمة. فتآمر الأولاد على قتل أبيهم، ليتخلصوا من سطوته، ويستأثروا بأمهم. واستيقظت الأرض ذات صباح على صيحات مجنونة وصرخة مروعة: لقد نفذ الأولاد ما تآمروا عليه!

ولكنهم ما كادوا يفعلون ذلك حتى أحسوا بالندم، وتملكهم الشعور بالخطيئة، فصمموا ليقدسنّ ذكرى أبيهم القتيل!

(1) التليباثي: كلمة تطلق على التخاطة عن بعد. ومن الأمثلة التاريخية لها حادثة عمر الشهيرة، إذ وقف يصلي بالناس، ثم إذا به فجأة يقول:"يا سارية الجبل الجبل!"فسمعه سارية وانتفع بنصيحته فانتصر على عدوه، مع أنه كان يفصل بينهما ألوف الأميال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت