إن الدين يجعل من حق الدائن أن يأخذ بماله صكا، ويجعل كتابة الصك بصيغة الأمر في الآية:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ .."فهو لا يفرض على أحد هذا السلوك النبيل، الذي قد يؤدي إلى ضياع الدين كله، إذا كان المدين خسيس الأصل والطباع.
المجتمع؟
كلا! فلم يكن المجتمع يحتم على أحد أن يضع حقوقه هكذا في مهب الريح، عرضة لأبسط انحراف خلقي في نفس المدين. وصحيح أن المجتمع كان بطبيعة الحال"يعجب"بمثل هذا التصرف النبيل. ولكن استحباب الشيء ليس قوة قاهرة تدعو الناس إلى إطاعتها راغمين مكبوتين. ثم إن إصرار الدائن على كتم الخبر عن الناس، ينفي أنها حركة قصد بها استثارة الإعجاب والمديح.
فإذا قال بعض المماحكين: إن هذا كان"تقليدًا"في ذلك المجتمع، يدعو إلى إطاعته الخوف من انتقاد الناس، فإن هذا لا يزيد على أن يكون توسيعًا لدائرة الخبر والتطوع النبيل، حتى يكون سمة المجتمع كله، لا سمة شخصية يتميز بها فرد في جيل. وإلا فمن الذي فرض على هذا المجتمع منذ البدء أن يكون هذا تقليدًا من تقاليده؟ ليست هناك قوة قاهرة يمكن أن ينشأ عنها هذا التقليد. وإنما هو التطوع النبيل بدأ به فرد أو أفراد فأعجب الناس به، وانساقوا إليه بمحض اختيارهم، فكانوا جميعًا نبلاء خيرين!
فإذا كان فرويد لا يؤمن بهذا الخير في الإنسانية، متأثراَ في ذلك بنزعته المادية اليهودية، وبالمجتمع الأوربي الذي كان يعيش فيه، وهو مجتمع عريق في المادية، ورث تعاليم الإمبراطورية الرومانية وأنانيتها، وسعيها إلى تحقيق لذائذها على حساب الآخرين من مستعمرات ورقيق ... فما الذي يفسر أو يبرر اعتناقنا نحن لهذه الآراء، ونحن نملك في الشرق معينًا لا ينضب من الأمثلة الإنسانية الرفيعة، التي تشهد بأن في البشرية خيرًا حرًا، طليقًا من القهر والقيود؟!
وقد كان منطقيًا مع هذه المادية المتغلغلة في كيان فرويد، وفي المجتمع المحيط به، أن ينكر جميع المعنويات. فهو يذهب إلى أبعد مدى في نظريته في تفسير الأحلام، فينكر كل حقيقة خارجة عن نطاق الأرض، بل عن نطاق الإنسان ذاته في حيزه المحدود، فهو ينفي نفيًا باتًا ما نسميه"الأحلام التنبؤية"لأنها قائمة على أساس"الروح"وعلى أساس صلة هذه الروح بالعالم الأكبر، وبالغيب المجهول. وتلك كلها"خرافة"يؤمن بها السذج البسطاء، ولا تليق بكرامة العلماء! فلا جرم إذن يقول عن الطريقة الرمزية في تفسير الأحلام إنها"طريقة خرافية"!
ولكن أمره عجيب فيما يتصل بهذا التصريح الخطير. ففي صفحتين متقاربتين عن كتاب واحد يقول أولًا:"إن تفسير الأحلام على الطريقة الرمزية (كتفسير حلم فرعون الشهير) لا يمكن تطبيقه إلا في حيز محدود [1] "ثم يقول عنها في صفحة تالية: إنها طريقة خرافية [2] !
ولو أنه اكتفى بالقول الأول، أي أنها محدودة التطبيق، لما نازعه في ذلك أحد؛ فما من شك في أن الجمهرة الغالبة من أحلام الناس هي تنفيس عن أشياء مكبوتة أو تعبير عن رغبة مشتهاة كما يفسرها فرويد بحق. وتبقى بعد ذلك قلة ضئيلة من الأحلام لا يمكن أن تفسر على هذا الأساس، ولا يمكن بغير تمحل ولا التواء أن تفسر إلا على أساس الاعتراف بصلة ما، خفية دقيقة، بين هذا الكائن الببشري والكون الكبير والغيب المجهول.
(1) ص108 من كتاب"تفسير الأحلام".
(2) ص112.