الصفحة 21 من 162

وهو لا ينفي أن الناس تمتنع عن كثير من رغباتها وملذاتها. ولكنه يؤكد لك دائمًا أن هذا الامتناع إنما يحدث تلبية لقوة من القوى القاهرة، الأب أو المجتمع أو الدين أو التقاليد، يبلغ من قهرها وسطوتها أن يقف الفرد أمامها عاجزًا عن المقاومة أو الاحتيال.

بل هو لا ينفي أن الإنسان يبدو أحيانًا كأنه يمتنع، مختارًا، عن إتيان بعض الأعمال. ولكنه يفسر هذا الاختيار الظاهري بأن الذات العليا، أو الضمير السيكلوجي، هو الذي يقوم في هذه الحالة بإقناع الذات، أو إجبارها، على الامتناع عن هذا العمل، إنقاذًا لها من سخط ذوي السلطان، وما قد يلحقونه بها من أذى وإيلام. وتتم في داخل اللاشعور عملية مغالطة مركبة، يقنع الفرد نفسه بعدها أنه هو الذي اختار أن يمتنع وليست القوة الجبرية القاهرة هي التي منعته. وهذه المغالطة مفيدة من جانبين: الأول أن تضمن الذات العليا أن الذات ستطيعها ولا تنتقض عليها، ما دامت -في الظاهر- تمتنع متطوعة، وحينئذ تنجو من التعرض لسخط ذوي السلطان. والثاني أنه بهذه الطريقة لا ينخدش إحساس الإنسان بذاته، وينتفي -ولو ظاهرًا- شعوره بالقهر الخارجي، فيبقى في سلام مع المجتمع، وتتحقق بذلك له السعادة. وهذا أبرع ما تقوم به الذات العليا من ألاعيب غاية في الدقة حتى ليخيل للبسطاء من أمثالنا أن هناك ضميرًا خلقيًا هو الذي قام بهذا الامتناع!!

وذلك جميل! وما ينكر أحد أن مثل هذا يحدث في نفس كل إنسان، ويتكرر في كل يوم وكل ساعة. وما ينكر أحد أن عبقرية فرويد هي التي كشفت هذا المجهول، الذي كان يلعب لعبه الماهر الدقيق في داخل النفس البشرية، دون أن يفطن إليه الكثيرون.

ولكن الأمر الذي ما نزال نأخذه على فرويد أن النفس البشرية لا تنتهي عند هذا الحد الذي يقف بها عنده. وأن هناك تطوعًا حقيقيًا لا مظهريًا، لا يدعو إليه قهر القاهرين من ذوي السلطان، ولا العجز عن تحقيق رغبة معينة. وإنما يدفع إليه الترفع والتطهر، والعظمة النفسية التي تمتنع مختارة عن إجابة دفعة الطاقة الشهوانية، ثم لا يصيبها بعد ذلك عقد نفسية ولا اضطراب عصبي. وقد ذكرت من قبل الأنبياء والقديسين، والأبطال والمصلحين، وأضيف إليهم ألوفًا بل ملايين من البشر على ممر الأجيال، في الشرق كله والشرق الإسلامي خاصة، إن يكونوا قد اختفوا اليوم، أو قلوا بتأثير العدوى الغربية المادية، فقد كانوا إلى جيل واحد من الكثرة بحيث لا يخطئهم النظر. أناس يتطوعون بما لم يطلبه منهم أحد على سبيل الفرض، لا الدين ولا المجتمع ولا التقاليد، ولا هم من الشواذ الذين اضطرب سلوكهم إلى أعلى نتيجة كبت فرضته عليهم من الخارج قوة قاهرة. وإنما هو إرضاء لمشاعر إنسانية نبيلة، يفرضونها هم على أنفسهم متطوعين. وسأذكر لذلك أمثلة كثيرة عند الحديث عن نظرة الإسلام. ولكني أجتزئ هنا بمثل بسيط ولكنه عميق في دلالته، يعرف صدقه كل من أدرك الجيل السابق في مصر، أو سمع عنه ممن شهدوه.

كان الفقير إذا احتاج إلى سلفة من غني يعرفه، وأحيانًا لا يعرفه، يذهب إليه وفي نفسه بطبيعة الحال انكسار ومذلة. فما يكاد الغني يعرف حاجته حتى يبالغ في إكرامه ليزيل عنه ذلك الانكسار. ثم يدفع إليه طلبه، كأنما يدفع إليه سرًا لا يريد أن يبوح به لأحد. ويقسم بعد ذلك أغلظ الأيمان لا يكتبن به وقة تثبت الدين. ثم يقسم لا يقبل رده إلا أن يتيسر الفقير، ويصير لديه -زيادة عن ضروراته- ما يستطيع به وفاء الدين. ويحاذر في ذلك كله أن يعلم أحد من الناس بهذا الدين المستور!

من ذا الذي يفرض على هذا الإنسان أن يسلك هذا السلوك؟

الدين؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت