الصفحة 20 من 162

وليس لهذه الكراهية سبب معروف فيمكن تجنبها، أو يساورنا الأمل في أن تتخلص منها الإنسانية في يوم من الأيام. وإنما هي فريضة أبدية، لأن الازدواج شيء في طبيعة المشاعر الإنسانية: فمع الحب ينشأ نشوءًا ذاتيًا شعور الكراهية. واللذة يصاحبها الألم. والرغبة يصاحبها النفور. وهكذا كل إحساس يخطر في النفس يلازمه الشعور المضاد له بطريقة ذاتية، ولغير أسباب موضوعية [1] وإذ كان من المستحيل عمليًا أن يظهر الشعوران المتضادان في منطقة الشعور، فإن أحدهما فقط هو الذي يظهر، وهو الذي يسمح المجتمع بظهوره، بينما يكبت الآخر في اللاشعور. ولكنه ينتهز كل فرصة ممكنة للإعلان عن وجوده، في الأحلام مثلًا، أو في حركات وأعمال ومشاعر تبدو في الظاهر أبعد ما تكون عن الموضوع، ولكن العبقرية الفذة تتصيد لها الشواهد، وتحكم بينها أسباب الارتباط!

يقول في كتاب"The ego and the id"ص59:"تدل المشاهدات الإكلينيكية، على أن الحب تصحبه مشاعر الكراهية بانتظام يفوق الحسبان، وأن الكره في العلاقات البشرية يكون في الغالب سابقًا على الحب. وليس هذا فحسب، بل تدل تلك المشاهدات كذلك على أن الكره يتحول في مناسبات كثيرة إلى حب، والحب إلى كره ... ومن الواضح أنه لا يدخل في حسابنا تلك الحالات التي يحب فيها الإنسان شخصًا معينًا، ثم يكرهه بعد ذلك لأن هذا الشخص يقدم له من الأسباب ما يبرر هذا التحول".

وعلى هذا الأساس يفسر كل العلاقات العاطفية التي يمكن أن تخطر في نفوس البشر: فالولد يكره أباه [2] ، والفتاة تكره أمها، والزوجية تكره زوجها وتتمنى له الموت [3] . وحزن الأهل على ميتهم ليس شعورًا خالصًا بالحزن الحقيقي لمفارقة هذا العزيز، ولكنه مداراة للفرحة الخفية التي يحس بها الأقارب عند التخلص من هذا الشخص، الذي كانوا يكرهونه ويودون لو يموت [4] ...

ولا تقتصر هذه الظاهرة على المشاعر الفردية، بل إنها لتمتد حتى تشمل الحياة النفسية كلها بين الأفراد والمجتمعات. يقول في كتاب"Totem andTaboo"ص157:"لقد أشرت في مناسبات عدة إلى أن الازدواج العاطفي"Ambivilence"- أي وجود الحب والكراهية تجاه الشيء الواحد ي ذات الوقت- هو الأساس الذي يقوم عليه كثير من النظم الحضارية. ولسنا نعلم شيئًا عن منشأ هذا الازدواج ...".

فهي إذن لعنة مكتوبة على البشرية ألا يظهر فيها شعور واحد نظيف، خالص من الأدران والقذارات! ولن يتخلص البشر من هذه اللعنة أبدًا، ما دام كل شعور نظيف في النفس، يلازمه -بصفة دائمة، و"بانتظام يفوق الحسبان"-شعور آخر غير نظيف.

فلن يحدث مثلًا على مدار التاريخ أن يحب الولد أبويه، ولا الوالدان أولادهما، ولا الأخ أخاه ولا أي بشر على الأرض بشرًا آخر، إلا بأن يكبت هؤلاء جميعًا شعور الكراهية الذي ينبت في نفوسهم تجاه من يحبونهم، بطريقة جبرية لا إرادة فيها، ولغير سبب موضوعي، وبنفس القوة التي يكون عليها شعور الحب!

ولن يحدث أبدًا أن تتسامى الإنسانية إلا بالكبت القهري للنوازع الفطرية، التي تتعارض بطبيعتها مع الارتفاع، ولا يمكن التوفيق بينهما إلا بالكبت ... فللا مجال إذن عند فرويد لشخص واحد يمتنع بإرادته، ودون كبت، عن شيء من هذه اللذائذ في سبيل فكرة، أو مراعاة لخلق، أو نداء ضمير.

(1) أثبتنا من كلام فرويد نفسه -في فصل القيم العليا- أن هذا غير صحيح!

(3) المصدر السابق ص60.

(4) نفس المصدر ص60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت