وهو إذ ينفي الضمير الخلقي، ويستبدل به هذا الضمير النفعي، ينفي بالضرورة كل قيمة خلقية ذاتية، لأن هذه تقوم على"تطوع"الإنسان بالتنازل عن شيء من متعته، استجابة لقيمة عليا؛ أو إشراك الآخرين فيها، نتيجة الشعور بأنهم شركاء في الإنسانية وإخوان في الحياة.
والذي يقوم بهذا التطوع أو يدعو إليه هو ذلك الضمير الخلقي الذي يلغيه فرويد، فيلغي كل"منتجاته"من خير ورحمة وعدل، ومعاونة من القوي للضعيف، ومن الواجد للمحروم، بغير انتظار لجزاء، أو على أقل تقدير انتظارًا للخير البعيد الذي يعود على المجموع كله، حين يتنازل الأقوياء والواجدون عن بعض ما يملكونه للضعيف والمحروم!
ولسنا نغرب في الخيال، ولا نرقى إلى عالم الأساطير خين نقول: إن الحق غير ذلك، وإن الضمير الخلقي حقيقة واقعة، وإنه يفرض على الفرد أحيانًا أن يتطوع باحتمال الألم، أو بالحرمان من اللذة أو الفائدة، في سبيل مصلحة عليا لا تعود على هذا الفرد بالذات، أو لا تعود عليه وحده. أو من أجل مثل أعلى يعتنقه ويجاهد في سبيله. والأمثلة كثيرة في التاريخ: أمثلة الأبطال والمصلحين، ولا نقول فقط الأنبياء والقديسين، وإن كان هؤلاء يؤيدون رأينا بداهة، ولا يحتاج أمرهم إلى جدال. وكون أولئك الممتازين قلة في البشرية، لا يعني أنهم غير موجودين، أو أنه لا قياس لهم. فالذي يحدث مرة يمكن أن يحدث مرة أخرى. وإنهم قلة بتأثير التوجيهات والإيحاءات التي تصدر عن فرويد وغيه من ذوي النظرة المادية الضيقة. ولكنهم لا يكونون قلة في فترات الإشراق والصعود، الفترات التي يهتف فيها للبشرية الأنبياء والقديسون، والأبطال والمصلحون، فيرتفع الناس إلى آفاقهم العليا، منساقين إلى ذلك بغير ضغط ولا قهر، وإنما استجابة لدافع ذاتي يدفع إلى التسامي والصعود، ويعتمد في داخل النفس على رصيد واقعي مذخور!
والتطوع بعمل الخير أو تحمل الأذى والحرمان في سبيل فكرة عليا أو مصلحة عامة، يعارض تفسير فرويد للضمير، الذي يمثل عنده القوة الجبرية المفروضة على الإنسان فرضًا لا سبيل إلى الخلاص منه؛ ويؤكد وجود القيم المعنوية والإنسانية في محيط البشرية، كنتاج أصيل لها، لم يفرض عليها من الخارج، ولم يكتب لها ألا تطيعه إلا كارهة.
ولكن فرويد لا يرضيه هذا التفسير النظيف لبعض دوافع الإنسانية النبيلة، فيروح يلتمس لها المفسرات التي تذهب بجلالها، وتطمس ما فيها من إشراق. فكل ارتفاع عنده هو احتيال لا شعوري لمداراة خسة هابطة! وكلما زاد الإنسان تطهرًا وإنسانية في الظاهر، كان ذلك دليلًا على عنف المشاعر الإجرامية التي يكبتها في لا شعوره!
ولو أنه قصر الأمر على الحالات المرضية الشاذة، كما يقول مثلًا في كتاب"Totem and Taboo" [1] ص68:"في الحالات العصبية التي تستولي فيها على المريض فكرة معينة، نجد حساسية شديدة في الضمير، هي مظهر للقوة العكسية التي تعمل ضد الإغراء الشرير الكامن في اللاشعور ...".
لو قصر هذه الصفة على الحالات المرضية لما كان لأحد أن يعترض عليه. ولكنه يجعل المسألة قانونًا عامًا يشمل الجميع. فها هو ذا يقول في ص60 من الكتاب نفسه:"تكاد تكون جميع الحالات التي فيها ارتباط عاطفي شديد بشخص معين، منطوية على كراهية مختفية في اللاشعور واء هذا الحب الدافق الرقيق"!
(1) النسخة التي نستشهد بها في هذا البحث هي ترجمة جيمس ستراشي، طبعة سنة 1950.