الصفحة 18 من 162

فالصورة التي يرسمها للإنسانية هي دائمًا صورة الفرد الذي يسعى جاهدًا طوال حياته لتحقيق لذائذه، مدفوعًا إلى ذلك بدفعة"اللبيد" ( Libido) وهي الطاقة الشهوانية التي لا تكف عن الإلحاح. فإن استطاع تحقيقها مباشرة فبها ونعمت! وإلا فهو دائب التحايل على الحواجز التي تقف في سبيله، ليفلت منها بطريقة ما. وهو سعيد كلما استطاع أن"يضحك"على حارس من الحراس الواقفين له بالمرصاد، فيمر من أمامه بريء المظهر لا يثير الشبهات، وهو يخفي بين طياته في الواقع ما لو عثر به الحراس لانهالوا عليه بالعذاب والتنكيل! وهو لا يقوم بهذا الاحتيال واعيًا في أغلب الأحيان، بل يقوم اللاشعور بمئات من أنواع المغالطة والتحايل [1] ، هدفها جميعًا أن تجد منفذًا للطاقة الشهوانية التي لا تسكت عن الإلحاح. فإذا لم يستطع اللاشعور أن يحقق في اليقظة ما يريد، فإنه يلجأ إلى الأحلام، وفيها متسع كبير لتحقيق كل رغبة لم يتسع المجال لتحقيقها في اليقظة (وكل الأحلام عند فرويد تعبير عن رغبة مكبوتة أو كراهية مكبوتة) . والفرد على أي حال لا يكف أبدًا عن تحقيق لذائذه إلا أن يعجز عجزًا تامًا عن مواجهة الحراس، أو التحايل عليهم، أو أو يكون به من النقص الجسدي -العضوي- ما يمنعه من التحقيق. وكل ذلك يوقعه فريسة للاضطرابات العصبية والعقد النفسية، التي لا تقف عند حد في إفساد طبيعة الإنسان، وتبديد نشاطه الحيوي، والانحراف به عن الطريق السوي.

وهو يشرح التكوين النفسي للإنسان بأنه ثلاث درجات بعضها فوق بعض: أولها وأدناها الطاقة الشهوانية وموطنها الذات السفلى"id". وهي طاقة جنسية في أساسها، وإن كانت الذات السفلى تشتمل كذلك على طاقة"محايدة"ليس لها عنوان محدد، ولكنها تحت تصرف السيد الذي يستخدمها. وبعد ذلك توجد الذات"ego"وهي النفس الواعية التي تواجه المجتمع وتحتك به، وتحاول التوفيق بين الرغبات المتناقضة في داخل النفس، وبين الحقيقة المادية الخارجية. والعنصر الثالث في النفس هو الذات العليا"Super ego"وهو ينشأ من تلبس الطفل بشخصية والده. وحينئذ تنشأ عقدة أوديب كنتيجة طبيعية لحب الولد لأمه حبًا جنسيًا، يحول وجود الأب دون تحقيقه، فيتكون في نفس الطفل نحو أبيه شعور مزدوج طرفاه الحب والكراهية في آن واحد. ثم يتخلص الطفل من هذا الصراع -إذا قد له أن يسير في الخط الطبيعي- بأن يزيد تلبسه بشخصية والده (هذا في الولد، أما البنت فإنها تتخذ الموقف المقابل، وتتخلص من العقد بزيادة تلبسها بشخصية أمها) . وعند ذلك ينشأ الضمير. وتكون مهمته الكبت والقمع للشهوات الجنسية غير المرغوب فيها، وذلك لحماية الذات من عسف ذوي السلطان في الخارج (الأب أو المجتمع أو الدين أو التقاليد [2] .

إلى هنا وتنتهي النفس الإنسانية في تصوير فرويد.

فأول ما نلاحظ على ذلك أن الضمير بمعناه الخلقي المعروف في علم الأخلاق غير موجود، وإنما هو خرافة يضحك بها الإنسان على نفسه! أما الحقيقة -في نظر فرويد- فهي أن الضمير الذي نشأ عن طريق القهر للنوازع الفطرية، يظل يقوم بهذا القهر لصالح الفرد ذاته، ولتجنيبه الاصطدام بالقوى الخارجية القاهرة.

(1) يقول في كتاب"The ego and the id"، ترجمة جون رفيير، الطبعة الثالثة، سنة 1942 في صفحة 83:"إن موقع الذات بين الطاقة الشهوانية والحقيقة الخارجية كثيرًا ما يغريها بأن تكون منافقة مخادعة نهازة للفرص، كالسياسي الذي يرى الحقائق، ولكنه يحب أن يحافظ على مكانته بين الجماهير!".

(2) عن كتاب: The ego and the id .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت