الصفحة 28 من 162

واختار الناس الطريق الثاني كما لا بد أن يكون! ساعدهم على ذلك أنهم كانوا على مقربة من الصراع الهائل الذي نشأ بين العلم والكنيسة، وانتهى بتحطيمها، وكل ما حولها من قيم معنوية صحيحة أو كاذبة، وعلى مقربة من الثورة الصناعية وما أحدثته من رجّات اجتماعية وخلقية [1] . يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال أنه طريق سهل حافل بالمغريات. وأن إطاعته أيسر"وألذ"بكثير من السير في الطريق الآخر، الذي يكلف الناس فرائض كثيرة لا يتحقق بغيرها وجود"الإنسان"!

ثم كانت الحرب العظمى الأولى، وجند ملايين من الشباب في كل مكان في أوروبا وأمريكا، وعاشوا في الخنادق سنين عددًا، يتهددهم الموت بالغازات السامة، وبالقنابل المدمرة، وبحرب الميكروبات، وحرب الأعصاب، وكل مزعجة من المزعجات. فما إن أوفت الحرب على نهايتها حتى انطلق أولئك المكبوتون، المحتجزون في الخنادق والمعتقلات، انطلقوا كالغيلان الجائعة تبحث عن الغذاء: غذاء الجسد الظامئ بطبيعة الحال، لا غذاء العقل والروح!

وكان ملايين من الشبان قد قتلوا في الحرب، فاضطرت المرأة أن تخرج إلى المصنع وإلى الطريق بحثًا عن الرزق: لأن عائلها قد قتل، أو لأنه استنكف أن ينفق عليها وهو خارج من الأزمة العظمى يريد الترفيه عن نفسه، ولا يطيق أن تفرض عليه القيود ولو كانت لأقرب الأقربين. ووقعت المرأة فريسة سهلة للجوع من كل نوع: جوع المعدة، وجوع المظاهر التي تحرص المرأة عليها من ثياب وزينة. وجوع الغريزة، فقد زاد عددهن على عدد الشبان بعد أن قتل منهم من قتل، فاستحال أن تجد كل فتاة زوجًا، ولو تزوج جميع من بقي حيًا من الرجال ...

وكانت فرصة ذهبية لإطاعة تعاليم فرويد، وما كانوا في حاجة إلى من يدعوهم إلى الانطلاق الحيواني، فقد كانت ظروفهم كلها تغريهم بالانطلاق. ولكنهم وجدوا في فرويد سندًا ضخمًا لنزواتهم الجسدية الهائجة، فبدلًا من أن يظهروا أمام المجتمع مجرمين خلقيين، صار لهم من نظريات فرويد ما يسمح لهم أن يقولوا: إنما نحن نطيع هاتف"العلم"وهو أولى بالاتباع من أساطر الأولين!

ومن ثم كانت الأجيال التي نشأت في الحرب العظمى الأولى وما بعدها تؤمن بفرويد إيمانا أعمى، وتعتبره بطلًا من أبطال التاريخ. وليس غريباَ -على ذلك- أن تعتبره مجلة لوك Look الأمريكية، أحد العشرين الذين صاغوا القرن العشرين! وتعتبره المراجع التاريخية أحد أبطال العصر الحديث!

وقد نشأت أبحاث فلسفية واجتماعية تقوم كلها على أساس التفسيرات التي قدمها فرويد للنفس الإنسانية، وتحاول أن تثبت أن"فكرة المجتمع"فكرة مضادة لطبائع الأشياء! وأن تقاليده وقيوده التي يحافظ بها على كيانه، هي قيود تحكمية ليس لها ما يبررها. وأن روابط الأسرة غل من الأغلال التي ينبغي الفكاك منها لتحقيق السعادة والهناء!

وزادت كراهية الأفراد للمجتمع، نتيجة للنظرة الفردية الأنانية التي أوحت بها نظرياته، حتى صار اسم المجتمع لا يذكر إلا وتلاحقه أوصاف الظلم والتعسف والاستبداد. وكذلك الأخلاق والدين والتقاليد لم تعد تذكر إلا بالحنق والسخط، أو الهزء والاستخفاف.

وانتهى الأمر في كثير من شعوب أوربا وفي أمريكا كلها إلى تحطيم المجتمع، وحل روابط الأسرة، والانسلاخ الكامل من تراث الأجيال السابقة كلها من أخلاق وتقاليد.

(1) لم يكن قد تبين لي بوضوح حين كتبت هذا الكلام أول مرة ما تبين لي من بعد، وأثبتّه في"معركة التقاليد"و"التطور والثبات"و"جاهلية القرن العسرين"من أن هذه الرجات الاجتماعية والخلقية التي حدثت في الثورة الصناعية لم تكن تلقائية، إنما افتعلها كذلك اليهود!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت