الصفحة 145 من 162

على أن المرأة تحقق كيانها كاملًا حين ترى رد الفعل في نفوس الأخريات، في المجتمع النسائي الخالص، الذي ليس فيه رجل حاضر بشخصه، لأن كل واحدة منهن تدرك بفطرتها أن هذه الجاذبية كفيلة بأن تجتذب رجلًا ما. وهذا يكفي، دون أن تقع جريمة، ولا ينحدر المجتمع إلى الفوضى والانحلال.

فإذا قيل -كما يقال- إن هذا قيد قد اختصت به المرأة دون الرجل، لأن الإسلام يحابي الرجل على حساب المرأة، فتلك مغالطة بيانها بسيط. فإذا كان في طبيعة المرأة أن تعرض فتنتها على الأنظار، فإن في طبيعة الرجل أن يجد لذة عظمى في إخضاع أكبر عدد من النساء لسيطرته في وقت واحد، يتنقل بينهن بحسب طبيعته المتنقلة. فهل أباح له الإسلام ذلك؟ أم حرمه عليه لنفس السبب، وهو مصلحة الجماعة التي تحقق مصلحته هو في ذات الوقت؟ فإنه حين يباح لكل رجل أن يتنقل بين النساء بلا ضابط، فلا مناص من أن يعتدي واحد على اختصاص الآخر، فلا تتحقق السعادة المرجوة لهذا الرجل الذي يريد أن يحقق كيانه.

على أن الإسلام وهو يفرض هذا المنع على الرجل والمرأة لمصلحتهما الخاصة، لم يفرضه عليهما من خارج أنفسهما، ولا كلفهما ما ليس في طبيعتهما. وإنما هو يستحيب لنزعة أخرى في داخل النفس البشرية، لا تقل أصالة وعمقًا عن النزعة الأخرى، تلك هي الحنين إلى الأسرة، والمتعة الغامرة التي يجدها الرجل والمرأة كلاهما في جو الاستقرار والحب والأنس والألفة التي تهيئها الأسرة ولا تتهيأ في أي مكان آخر.

ولكن الشبهة الكبرى في هذا الشأن هي تشريع تعدد الزوجات الذي يبيح للرجل أن يتزوج من النساء"مثنى وثلاث ورباع"ولا يبيح للمرأة تعدد الأزواج.

والمرأة لم تطالب إلى هذه اللحظة بإباحة تعدد الأزواج، ولذلك نسقط هذا الأمر من الحساب! ولا نحتاج أن نتحدث عن مخالفته لطبيعة المرأة الأصيلة، إذ تخلص بكيانها كله للرجل الذي تحبه، وللأسرة التي تستظل بكنفها، فلا يبقى لديها ما تمنحه لشخص آخر ولو ارتبطت به!

أما تعدد الزوجات الذي يُشنّع به على الإسلام فوقاية شرعت للطوارئ كما ذكرنا من قبل. فحين يزيد عدد النساء على الرجال لسبب من الأسباب، كالحرب في الغالب، أو الأوبئة التي يتعرض لها الرجل في الخارج أكثر مما تتعرض لها المرأة داخل البيت، ويموت بسببها من الرجال عدد أكبر من النساء إذا تعرضًا لها معًا -كما تثبت الإحصاءات- بسبب مناعة جسمها ضد الأمراض أكثر من مناعة الرجل ... الخ. حين يحدث هذا الاختلال العددي، لا يكون هناك بد من إجراء وقائي يمنع نتائجه المحتومة. ولن يكون له نتيحة إلا أن يجد نساء أنفسهن بلا رجل. وبصرف النظر عن الإنفاق، الذي قد تحله النظم الاقتصادية بطريقة ما، فإن حاجة المرأة للرجل، كحاجته إليها، ليست قائمة في أساسها على الاقتصاد. وإنما هي حاجة نفسية وجسدية لا يمكن أن يستغني عنها أحد الجنسين. فما لم تكن هذه الفتاة التي ليس أمامها رجل، قديسة أو ملاكًا، فلن نجد طريقة لإشباع حاجة الجسد ومتعة النفس إلا خلسة، وفي الظلام. وحتى إذا انحل المجتمع وأباح لها أن تصنع ذلك علانية، فسيبقى الجوع الدائم إلى بيت. إلى أسرة. إلى رجل تعيش في كتفه وتشعر أنها في جواره. فأيهما إذن خير؟ أن تكون هذه الفتاة شريكة لامرأة أخرى في رجل، أو تظل حياتها شقية مبتئسة لأنها لا تجد الرجل إلا خطفًا؟

وإن الحياة مع امرأة أخرى في كنف رجل واحد لهي جحيم نفسي دون شك. ولكنه بلا جدال أيسر من الجحيم الآخر، الذي تعيش فيه المرأة بلا رجل. ولولا ذلك ما قبلت أن تقدم عليه، اختيارًا لأهون الضررين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت