وليس مؤدى هذا أن يستبد الرجل بالمرأة أو بإدارة البيت، فالرئاسة التي تقابل التبعة، لا تنفي المشاورة ولا المعاونة. بل قد يكون العكس هو الصحيح. فالرئاسة الناجحة هي التي تقوم على التفاهم الكامل، والتعاطف المستمر. وكل توجيهات الإسلام تهدف إلى إيجاد هذه الروح في داخل الأسرة، حتى لينفّر النبي صلى الله عليه وسلم الرجال من استعمال حقوقهم في تأديب زوجاتهم الناشزات -تلك الحقوق التي صرح لهم بها القرآن- إلا في حالات الضرورة القصوى. فهو يقول لهم:"أما يستحي أحدكم أن يضرب زوجته أول النهار ثم يضاجعها آخره؟"فيدعو إلى تغليب الحب والتفاهم على النزاع والشقاق. ويجعل مقياس الخير عند الرجل هو طريقة معاملته لزوجته حيث يقول:"خيركم خيركم لأهله".
ومن حق القوامة نشأ في الإسلام أن يكون الرجل هو الذي له حق الطلاق لا المرأة؛ وتقول النسوة اللائي احترفن إقامة المؤتمرات للإعلان: إن هذا ظلم، وإنه كان ينبغي أن تعطى المرأة أيضًا هذا الحق فتطلق الرجل حين تريد.
والمسألة أبسط من أن تقوم فيها المماحكة. فلتسأل كل امرأة نفسها كم مرة في حياتها وافقت على الشيء بكليتها ثم رفضته هو ذاته حين تغيرت عاطفتها نحوه .. ولنتصور بعد ذلك كم مرة كانت ستطلق زوجها ثم تعود فترده، ثم تعود فتطلقه، وهكذا وهكذا. بحيث لا يقر للبيت قرار، وتختل لنفوس الأولاد من هذه الحركة الدائمة من النقيض إلى النقيض.
وليس معنى هذا لأنه لا يوجد رجال يصنعون ذلك، فقد بينا من قبل أن في كلا الجنسين قدرًا من طباع الآخر يزيد أو ينقص. ولكن الأحكام العامة في مثل هذه الأحوال تكون موكلة بالأغلبية الساحقة، لا بالحالات الفردية التي تدخل في باب الشذوذ.
على أن الإسلام أباح للمرأة أن تشترط عند عقد الزوج أن تكون عصمتها بيدها، فتنفصل عن الرجل حين تريد. فإذا شاءت أن تستعمل حقها فهي وما تريد [1] .
في حدود الأسرة، وفي نطاق الزواج، يتيح الإسلام للطاقة الجنسية مجالها الطبيعي المعقول. ولكنه لا يتيح لها المجال في الشارع، خلسة أو علانية، وهو يرى ببصيرته كيف تنحل الأمم وتسقط حين تترك أفرادها يتهاوون في الرذيلة، دون أن تأخذ بحجزهم وتمنعهم من الانحدار.
وقد يقول البعض:"إن هذا النظام الذي يقصر المرأة على رجلها، ويحرم عليها إبداء زينتها إلا له:"وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ"نظام ظالم المراة، لأن من طبيعتها أن تزهو بفتنتها، وهي تحب أن تجرب سحرها في أكبر عدد من الرجال، ولا تشعر أن كيانها قد تحقق إلا إذا ظفرت بالإعجاب الإجماعي. فكأننا نكبت طبيعتها الأنثوية حين نقصرها على رجل واحد فحسب. وصحيح أن النظام الذي حرم عليها أن تجرب تأثيرها إلا في هذا النطاق المحدود قد هدف إلى مصلحة أكبر من الفرد، هي مصلحة الجماعة. ولكنا قد بينا بما لا يدع مجالًا للشك أن كل تشريع أو توجيه في الإسلام نظر فيه إلى مصلحة الجماعة، قد قصد به في ذات الوقت مصلحة الفرد نفسه. وإلا فهل تحب المرأة أن تطلق لها الحرية تجرب فتنتها فيمن تشاء من الرجال، تحقيقًا لكيانها الذاتي، على أن تترك رجلها يقع في فتنة غيرها من النساء، اللواتي نلن مثلها حق الفتنة والإغراء؟ وهل يحقق سعادتها أن تظل أبدًا مشغولة البال على رجلها أن"تخطفه"امرأة أخرى، فيكون معنى ذلك أن فتنتها هي قد عجزت عن الاحتفاظ به وتكون صدمة لكبريائها تعصف بكل ما أرادت تحقيقة من كيان؟"
(1) في كتاب"شبهات حول الإسلام"في فصل"الإسلام والمرأة"شيء من التفصيل عن وضع المرأة في الإسلام من كل نواحيه.