ليس وضع المسألة إذن أن قيمة المرأة نصف قيمة الرجل في حساب الإسلام، فقد رأينا بمنطق الأرقام أن هذا غير صحيح. وليس اعتبار شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد دليلًا كذلك على أن المرأة تساوي نصف رجل، ولو أن النسبة هي نفس النسبة في الميراث! إنما هذا إجراء روعي فيه توفير كل الضمانات في الشهادة. ولما كانت المرأة بطبيعتها العاطفية المتدفقة السريعة الانفعال، مظنة أن تتأثر بملابسات القضية"فتضل"عن الحقيقة، روعي أن تكون معها امرأة أخرى"أَن تَضِلَّ احْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى". ومن النادر جدًا، حين تحضر امرأتان في مجال واحد، أن تتفقا على تزييف واحد، دون أن تكشف إحداهما نوايا الأخرى فتظهر الحقيقة!
أما مسألة القوامة، فالضرورة تقتضي أن يكون هناك قيّم توكل إليه الإدارة العامة لهذه الشركة القائمة بين الرجل والمرأة، وما ينتج عنها من نسل، وما تستتبعه من تبعات. وقد اهتدى الناس في كل تنظيماتهم إلى أنه لا بد من رئيس مسئول، وإلا ضربت الفوضى أطنابها، وعادت الخسارة على الجميع. وهناك ثلاثة أوضاع يمكن أن تفترض بشأن القوامة في الأسرة: فإما أن يكون الرجل هو القيّم. أو تكون المرأة هي القيّمة. أو يكونا معًا قيّمين.
ونستبعد الفرض الثالث منذ البدء لأن التجربة أثبتت أن وجود رئيسين للعمل الواحد أدعى إلى الإفساد من ترك الأمر فوضى بلا رئيس. والقرآن يقول عن السماء والأرض:"لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا""إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ"فإذا كان هكذا الأمر بين الآلهة المتوهّمين، فكيف هو بين البشر العاديين؟
وعلم النفس يقرر أن الأطفال الذين يتربون في ظل أبوين يتنازعان على السيادة، تكون عواطفهما مختلة، وتكثر في نفوسهما العقد والاضطرابات.
بقي الفرضان الأولان. وقبل أن نخوض في بحثهما نسأل هذا السؤال: أيهما أجدر أن تكون وظيفته القوامة، بما فيها من تبعات. الفكر أم العاطفة؟ فإذا كان الجواب البديهي هو الفكر، لأنه هو الذي يدبر الأمور في غيبة عن الانفعال الحاد، الذي كثيرًا ما يلتوي بالتفكير، فيحيد به عن الطريق المباشر المستقيم، فقد انحلت المسألة دون حاجة إلى جدال كثير.
فالرجل بطبيعته المفكرة لا المنفعلة، وبما زودته به الحياة من قدرة على الصراع، واحتمال أعصابه لنتائجه وتبعاته، أصلح من المرأة في أمر القوامة على البيت. بل إن المرأة ذاتها لا تحترم الرجل الذي تسيّره هي فيخضع لرغباتها، بل تحتقره بفطرتها ولا تقيم له أي اعتبار. فإذا كان هذا من أثر التربية القديمة التي تترك طابعها في اللاشعور، وتكيف مشاعر المرأة دون وعي منها، فهذه هي المرأة الأمريكية التي ساوت الرجل مساواة كاملة في الحقوق الاقتصادية وصار لها كيان ذاتي مستقل، عادت فاستعبدت نفسها للرجل؛ وهذه هي كما تتحدث الاعترافات التي تنشرها الصحف الأمريكية، وكما يشهد الذين زاروا تلك البلاد، تتحسس عضلات الرجل، وتتطلع إلى صدره العريض وذراعيه المفتولين، ثم تلقي بنفسها بين أحضانه، حين تطمئن إلى قوته بالقياس إلى ضعفها، أي حين تتلبس النتوءات والمنحنيات ليتألف منها مزاج مؤتلف متناسق.
على أن المرأة إذا تطلعت"للسيادة"في أول عهدها بالزواج، وهي فارغة البال من الأولاد وتكاليف تربيتهم التي ترهق البدن والأعصاب، فسرعان ما تنصرف عنها حين تأتي المشاغل، وهي آتية بطبيعة الحال. فحينذاك لا تجد في رصيدها العصبي والفكري ما تحتمل به مزيدًا من التبعات.