ولكن الإسلام الذي يعرف حقيقة الفطرة الإنسانية السوية ويتمشى معها، يعترف بتكافؤ الجنسين لا بتماثلهما، لأن التماثل ليس حقيقة. وهو لذلك يفرق بينهما في بعض الحقوق والواجبات التي تنشأ من اختلاف طبائعهما، واختلاف وظائفهما، بعد أن سوّى بينهما في الأمور الأخرى التي تتصل بالإنسان من حيث هو إنسان.
وهنا موضع الضجة الزائفة التي يقوم بها النساء في مؤتمراتهن، ويؤجرن بعض الكتاب، بما لا أدري أو بما لا أحب أن أسميه من أنواع الإيجار، ليكتبوا لهن عن المساواة المطلقة بين الجنسين في الحقوق والواجبات، وربما طلبوا أو طلبن اختراع أجهزة جديدة تغير بناء الأجسام وطبائع النفوس، ليتم التماثل المنشود، ويصير كل جنس رجلًا وامرأة في آن، ويستغني كل إنسان عن كل إنسان.
يفرق الإسلام بين الجنسين في موضعين أساسيين: القوامة وتوزيع الميراث.
ونبدأ بالمسألة الاقتصادية لأن دعاة الاقتصاد في مشارق الأرض ومغاربها ينظرون إلى الإسلام في هذه المسألة على أنه نظام"تأخري!"غارق في ظلام الجهالة والاستبداد. وذلك على الرغم من أنه يمنح المرأة من الحقوق الإنسانية ما لا تزال النساء تتظاهر من أجله في كثير من بقاع الأرض فلا يستمع لصراخهن أحد!
يقول الإسلام في الإرث:"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ". ذلك حق. ولكنه يجعل الرجل هو المكلف بالإنفاق، ولا يتطلب من المرأة أن تنفق شيئًا من مالها على غير نفسها وزينتها. فأين الظلم والاستبداد؟ إن المسألة مسألة حساب، لا عواطف ولا ادعاء.
تأخذ المرأة -كمجموعة- ثلث الثروة الموروثة لتنفقها على نفسها. ويأخذ الرجل ثلثي الثروة لينفقها أولًا على زوجة، أي على امرأة، وثانيًا على أسرة وأولاد. فأيهما يصيب لنفسه أكثر من الآخر بمنطق الحساب والأرقام؟ وإذا كانت هناك حالات شاذة لرجال ينفقون كل ثرواتهم على أنفسهم، ولا يتزوجون ولا يبنون أسرة، فتلك أمثلة نادرة، وهي على أي حال مخالفة لتعليمات الإسلام وأوامره، فلا تدخل في اعتبار الإسلام. وإنما الأمر الطبيعي أن ينفق الرجل ثروته على بناء أسرة فيها امرأة بطبيعة الحال هي الزوجة. وهو ينفق عليها لا تطوعًا منه، بل تكليفًا. ومهما كانت ثروتها الخاصة فلا يحق له أن يأخذ منها شيئًا البتة إلا بالتراضي الكامل بينهما. فإذا شاءت أن تحتفظ بها لنفسها فهي وما تشاء، وعليه مع ذلك أن ينفق عليها كأنها لا تملك شيئًا. ولها أن تشكوه إذا امتنع عن الإنفاق أو قتر فيه بالنسبة لما يملك:"عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ". ويحكم لها الشرع بالنفقة أو بالانفصال. فهل بقيت بعد ذلك شبهة في القدر الحقيقي الذي تناله المرأة من الثروة الموروثة؟ وهل هو امتياز حقيقي في عالم الاقتصاد أن يكون للرجل مثل حظ الأنثيين، وهو مكلف ما لا تكلفه الأنثى؟
وينبغي أن نتذكر جيدًا أن هذه التفرقة هي في المال الموروث فقط. وقد وزع على الرجل والمرأة بحسب حاجة كل منهما وتكاليفه. أما المال المكتسب فالمساواة الكاملة فيه هي القانون. وليس في الإسلام نص واحد يبيح التفرقة بين الرجل والمرأة في الأجر أو الكسب. بينما لا يزال النساء في انجلترا إلى اليوم -أي بعد الإسلام بأربعة عشر قرنًا- يتظاهرن من أجل الحصول على هذه المساواة!!