وهي دعوى براقة، لولا أنها تخالف الواقع. فالشباب ينطلق للعمل حقًا بعد إفراغ هذه الشحنة. ولكنه العمل الآلي البحت الذي لا يرتفع عن الضرورة، ولا يستوحي أي هدف أعلى من وقائع المادة وحقائق الأرض القريبة. ومن ذلك تنشأ الحضارة الغربية المادية. حضارة الإنتاج العظيم في عالم المادة، مع الضآلة المخزية في عالم النفس والروح والروح والضمير. ولا أقصد الضمير النفعي، الذي ينظم المعاملات الفردية بين التاجر والمستهلك، أو بين الرئيس والمرءوس في العمل .. وإنما أقصد الضمير الإنساني الذي يشعر بالأخوة الإنسانية بين أفراد البشر، ويعمل بوحي هذا الشعور.
فإذا هز قوم أكتافهم، أو أشاحوا بوجوههم، وقالوا ما قيمة هذه الأوهام التي تتحدث عنها؟ إنما النجاح نجاح المادة والعلم والإنتاج الأرضي ... فلينظروا إلى العالم بعد أن سيطرت على مشاعره هذه المبادئ الهابطة، وحين غلبت عليه أوربا التي تعتنق هذه الفلسفة الحيوانية .. كيف صار؟ هاتان هما حربان عالميتان في ربع قرن، والثالثة على الأبواب. ألا فليهنأ المفتونون ببريق الغرب الخاطف، بالنعيم النفسي والفكري، في ظل القنابل المدمرة والغارات المميتة!
وإنما ينصرف الناس إلى الغايات العليا ويستشعرون في ضمائرهم الأفق الأعلى، حين يفرغون شحنة الجنس على أساس نظيف، يستهدف وراءه غاية، ولا يجعل الإشباع الجنسي وحده هو الغاية.
ولست أزعم أن مجرد هذا يؤدي إلى ذاك. ولكني أقول إن استشعار الهدف الأسمى من كل نزعة فطرية، يوجد التربة الصالحة، التي يمكن أن تبذر فيها المثل العليا فتنمو وتثمر. وبدون ذلك لا يمكن لأي مثل أن يقوم، مهما تحدثت الدعاية عن"الإنسانية"الرفيعة التي تؤرق ضمير انجلترا وفرنسا وأمريكا وروسيا، وتستخثها على رفع مستوى الحياة للشعوب، بالاحتلال العسكري حينًا، والإذلال الاقتصادي حينًا آخر، وبالمساهمة حينًا ثالثًا في خلق دولة كإسرائيل، تمتص دماء العرب وترفع مستوى الشيوعية بين اللاجئين!!
وحين كان المسلمون يحافظون على إسلامهم -بمعناه الحق- في صدر الإسلام، ثم في فترات متفرقة بعد ذلك، كانت في نفوسهم تلك المثل العليا التي ساعدت على نشر الإسلام بسرعة مثالية في التاريخ كله، وآخت بين المسلمين كلهم من الهند إلى الأندلس، ومدت مشاعر الإنسانية إلى غير المسلمين من النصارى واليهود، طالما كانوا لا يحاربون الدعوة المنطلقة إلى الخبر. وكانت للمسلمين في الوقت ذاته للغلبة العسكرية والاقتصادية والعلمية، لأن الإسلام لا يعيش طائرًا في السماء يحلق في الخيال، وإنما يعيش على الأرض يعمل ويكسب، وهو متوجه في نفس الوقت بمشاعره وروحه إلى السماء يستلهمها النور.
ويقيم الإسلام روابط الأسرة على أساس المساواة الإنسانية بين الجنسين. فكل بشر ذكرًا كان أو أنثى هو في نظر الإسلام مخلوق إنساني، له حقوقه البشرية كغيره من المخلوقات. حياته مصونة ودمه وعرضه وماله حرام على الآخرين. وكرامته الإنسانية محفوظة لا يلمز ولا ينبز بالألقاب ولا يغتابه أحد ولا يتجسس عليه ولا يدخل عليه داره بغير إذن.
تلك حقوق يستوي فيها البشر جميعًا لا فرق بين ذكر وأنثى، لأنها تتصل بالقسط المشترك من الحياة الإنسانية.
وكذلك تكون المساواة في الأجر على الأعمال في الحياة الآخرة:"مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ".