الصفحة 140 من 162

وهكذا نتدرج من المجتمع الواحد إلى المجتمعات الأخرى، إلى الإنسانية الشاملة في النهاية، على هذا النسق المتوافق الذي يجعل كل جزئية وسيلة لغاية أكبر، حتى تتحقق غايات الحياة العليا، بالجملة والتفصيل في لحظة واحدة، وبنظام واحد دقيق!

يصف القرآن العلاقة بين الرجل والمرأة في تعبير دقيق جميل حيث يقول:"هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ". ففي هذه الكلمات القليلة تصوير رائع لعلاقة الجسد وعلاقة الروح في آن. فاللباس ألصق شيء ببدن الإنسان، وهو الستر الذي يستتر به، وهو في الوقت ذاته مفصل على قده لا ينقص ولا يزيد. والرجل والمرأة ألصق شيء بعضهما ببعض: يلتقيان فإذا هما جسد واحد وروح واحدة. وفي لحظة يذوب كل منهما في الآخر فلا تُعرف لهما حدود. وهما أبدًا يهفوان إلى هذا الاتصال الوثيق الذي يشبه اتحاد اللباس بلابسه.

ثم هما ستر، كل واحد للآخر. فهما من الناحية الجسدية ستر وصيانة. وهما على الدوام ستر روحي ونفسي. فليس أحد أستر لأحد من الزوجين المتآلفين، يحرص كل منهما على عرض الآخر وماله ونفسه وأسراره أن ينكشف منها شيء فتنهبه الأفواه والعيون. وهما كذلك وقاية تغني كلًا منهما عن الفاحشة وأعمال السوء، كما يقي الثوب لابسه من أذى الهاجرة والزمهرير.

وهما بعد ذلك كاللباس في تفصيله مضبوطًا على القد. يلبسه صاحبه فيستريح إليه، ويتحرك نشيطًا في محيطه، ويكتسب به زينة وجمالًا تعجب صاحبها وتعجب الناظرين. فليس أبدع من تصوير هذه المعاني كلها في تشبيه واحد شامل عميق.

وإذ كانت العلاقة بين الرجل والمرأة وثيقة إلى هذا الحد، فقد وجب أن يلتقيا ليكون كل منها لباسًا لصاحبه، يزينه ويكمله، ويلتصق به للوقاية والستر.

وقد ذكرنا من قبل أنه لا مناص -حين يلتقي الجنسان- من أن تختار البشرية بين أحد وضعين: أن تكون جميع الإناث لجميع الذكور على الطريقة الغالبة بين الحيوان [1] ، أو تكون امرأة واحدة لكل رجل، ورجل واحد لكل امرأة. وكان الأمر الطبيعي أن يختار الدين الوضع الآخر، وهو يحرص على الارتفاع بالإنسانية إلى مكانها الحق الذي اختاره لها الله.

على أننا رأينا من مساوئ الفوضى الجنسية، بالنسبة لاستمتاع الفرد وراحته، ما يجعل المصلحة الفردية ذاتها تهدف إلى النظام الآخر، فتحقق في نهاية الشوط من المتاع والطمأنينة أكثر مما تحقق النشوة المسعورة التي تخلف القلق العصبي والاضطراب النفسي.

لذلك يحرص الإسلام (والأديان السماوية كلها) على أن يكون الزواج هو الطريقة التي يلتقي بها الرجل والمرأة، ويزيد على بقية الأديان أن يدعو إليه دعوة حارة، فيجعله النبي صلى الله عليه وسلم بمثابة نصف الدين، لأنه إذ يقي من الشهوة العارمة، ويخلص النفس من سطوتها ومشغلتها، يهيئ المشاعر والأفكار لاستقبال الأهداف العليا، والعمل في سبيلها. وذلك هو الدين.

والغرب المنحل يزعم مثل هذه الدعوى حين يقول: إننا نتيح لفتياننا وفتياتنا أن يفرغوا شحنة الغريزة بأيسر سبيل، ليتخلصوا من حملها على الأعصاب، وينطلقوا للعمل المثمر المفيد.

(1) بعض الحيوانات العليا تنشى نظامًا قريبًا من نظام الأسرة، فلا تعترف بالفوضى الجنسية من جانب الأنثى، فإذا اشتهى هذه الفوضى أحد الذكور قامت المعارك التي تنتهي بانتصار الأقوى وإذعان الضعيف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت