فهو لا يكتفي بذكر الأمر الواقع في مسألة الجنس، حيث يقول القرآن"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ". بل يعتبرها جزءًا من العبادة يستحث النبي صلى الله عليه وسلم على أدائها إذ يقول:"أكملوا نصف دينكم بالزواج". فإذا قيل إنه يقصد بذلك الزواج ذاته لما فيه من إحصان للفرد، أي أنه ينظر إلى الناحية الأخلاقية لا الجنسية، فقد جمع بينهما حيث قال:".. وفي بضع أحدكم أجر"أي أن الرجل يثاب على العمل الجنسي يأتيه مع زوجته. فلما سأله المسلمون متعجبين: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال"أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر"! ثم هو الذي يقول:"حُبِّبَ إلي من دنياكم الطيب والنساء وجعلت قرة عيني في الصلاة"فيرفع الجنس -من حيث هو جنس- إلى مستوى الصلاة، أطهر ما يتطهر له المؤمن، ومستوى الطيب، أزكى رائحة تنتعش لها الروح!
بل إن ما كان يصنعه المسلمون إلى عهد قريب، ولعل أتقياءهم ما زالوا حريصين عليه، من قراءة اسم الله قبل البدء في اللقاء الجنسي ليدل دلالة قاطعة على مدى نظافة الجنس في حس المسلم. صحيح أنهم كانوا يصنعون ذلك من أجل أن يبارك الله النسل المنتظر. ولكن اسم الله هو أطهر اسم يرد على خاطر المسلم المؤمن، فإذا ذكره في هذا المجال، فهو على اطمئنان من أنه مقدم على عمل نظيف يستأهل هذا الاسم الكريم.
والطاقة الجنسية من حيث المبدأ مسألة بيولوجية، وبدونها لا يمكن استمرار الحياة على وجه الأرض. والإسلام حريص على تحقيق أهداف الحياة العليا، فهو لذلك يحترم كل ما يؤدي إلى تحقيق هذه الأغراض.
ولكن الذي يضع له الإسلام الضوابط والقيود، هو طريقة التنفيذ العملي لتلك الأهداف، بعد الاعتراف بها من حيث أحقيتها بالوجود، والاعتراف للناس بحق الإحساس بها في الشعور.
أي أنه كما بينا في فصل"نظرة الإسلام"لا يكبت النوازع الفطرية التي تؤدي غاية حيوية .. ولكنه يضبط انطلاقها بما تتحقق به مصلحة الفرد الواحد، وبقية الأفراد. وهو في هذا يستجيب للفطرة السوية لا يفرض شيئًا يخالف طبيعتها، ولا يحمل الناس على شيء ليس في وسعهم قضاؤه.
إنه يبيح للناس أن يطاوعوا داعي الجنس ولا يكبتوه في مشاعرهم. بل يأمرهم أمرًا بالاستجابة إليه، ويحبب إليهم ذلك ويغريهم به. ولكنه لا يتركهم ينزو بعضهم على بعض كما يفعل الحيوان، لأنه يؤمن إيمانًا راسخًا بأن الإنسان أرفع من الحيوان. وتلك حقيقة علمية، قررها العلم بصرف النظر عن الأديان. وهو كذلك ينظر من الأفق الأعلى، فيرى الحاضر، ويرى معه الماضي والمستقبل: حلقة واحدة لا تنفصم أجزاؤها ولا تتفكك. ولذلك لا يجاري الفرد في نزوة من نزواته، وهو يراه رأي اليقين يتردى بهذه النزوة بعد حين. ولا يطيع فردًا بذاته وهو يرى من أفقه المرتفع أفرادأ آخرين يقع عليهم الضرر من فعلته، وهم ذوو حق مقدس في أن يأمنوا الضرر ويستمتعوا بطمأنينة الحياة. ولا يستجيب لاندفاع جيل، وهو يرى ببصيرته النافذة كيف يؤذي هذا الجيل باندفاعه بقية الأجيال ...
وهو كذلك لا يملي للإنسانية في الهبوط، وهو يعلم أنها تهدف إلى الارتفاع. وتلك حقيقة أخرى أثبتها العلم، منقطعًا عن الإيمان بعقيدة. ولا يكتفي بمجرد أداء الوظيفة البيولوجية وهو يعلم أن الحياة لا تكتفي بها، وإنما في فطرتها أن تصل إلى مستوى الجمال، وهو زائد عن ضرورة الحياة، وهو في الوقت ذاته موضع الإعجاب الشديد وموضع التقدير.