الصفحة 136 من 162

وهاك إشراقة الروح الحالمة، قد صفيت من العكار كله، وصارت صفاء مطلقًا لا يعرف الجسد، وإشعاعة لا تعرف القيود. تعشق الجمال خالصًا حتى من الإطار الذي يُصبّ فيه!

وهناك ألوان أخرى لا تدركها الألفاظ، ولا يقدر عليها التعبير!

وبين هذه الألوان المختلفة مئات من الأحاسيس، تشترك في الأصل، ولكنها تختلف فيما بينها أشد اختلاف.

فأي كسب للإنسانية في أن تقول مع القائلين:"كله في النهاية جنس"!؟

كله جنس. هذا صحيح. ولكن نظرة كهذه كفيلة بأن تفسد كل شيء وكل علم على ظهر الأرض! فالأحياء مثلًا كلها أحياء! ذلك صحيح في ظاهر الأمر. ولكن فيم إذن يعنّي نفسه علم الحياة في المقارنة بين الأحياء، وتسجيل خصائص كل نوع منها وكل جنس؟ إنه يصنع ذلك، ويبذل فيه جهودًا هائلة، لأن هذه الاختلافات هي التي تميز بين الأحياء فتجعل بعضها أرقى من بعض. ولن يكون علم الأحياء علمًا، إذا أغفل هذه الفوارق، أو جعل الأحياء كلها في مرتبة واحدة، لمجرد اشتراكها في أساس واحد هو الحياة.

وعلم النفس كذلك لن يكون علمًا حقًا إذا هو أغفل الفوارق بين شعور وشعور في المسألة الجنسية، بحجة أنها تنبع كلها من أصل واحد هو الطاقة الجنسية. فإن هذه الفوارق ذات دلالة عظيمة، وهي التي تفرق بين إنسان وإنسان في سلم الرقي.

ومن قال كذلك إن كل هم الحياة هو أداء وظائفها البيولوجية، كيما يزعم أناس في الغرب الهابط والشرق المتحلل، أن المسألة الجنسية مسألة بيولوجية خالصة؟

وفيم إذن كان الجمال؟ إن الجمال صفة زائدة عن ضرورات الحياة البيولوجية، لا تستلزمها هذه الضرورات. فأي شق يمكن أن يؤدي وظيفة الفم، وكل فتحة يمكن أن يتكون منها أنف يُدخل الهواء. وكل شقين يمكن أن يكونا عينين تبصران. وإن هذه الوظائف جميعًا لتتم في أقبح وجه وفي أجمل وجه بصورة واحدة من الوجهة البيولوجية.

ففيم كان الجمال، وليست له ضرورة بيولوجية؟ إنه ولا شك إشارة إلى هدف آخر مذخور في فطرة الحياة، هدف يرتفع عن الضرورة، وينطلق إلى ما فوقها من آفاق. هو هدف التسامي والارتفاع.

فإذا كان هذا -بصورة قاطعة لا تحتمل الجدل- من أهداف الخلق في عالم الأجسام، فهو كذلك من أهداف الخلق في عالم النفوس. فالجمال الجسمي، الذي يؤدي الوظائف كلها ويضيف إليها عنصرًا زائدًا عن الضرورة، لا بد أن يقابله جمال نفسي، يؤدي المشاعر البيولوجية كلها، ويضيف إليها عناصر أخرى، لا تستوجبها الضرورة البيولوجية، ولكن يستوجبها الارتفاع بالنفس عن مستوى الضرورات.

وتلك فطرة الحياة، لم يخلقها الإنسان لنفسه، وما خلقها الحالمون من أهل الشرق، المتأخرون الذين لم يؤمنوا بالعلم! ولكنها خلقة الله الذي فطر كل شيء، ووجّهه إلى الصعود الدائم والتطور المستمر"إن الله جميل يحب الجمال".

والآن نترك ما ينحدر إليه الغرب المجنون من مستويات هابطة، بعد اطمئناننا الكامل إلى أن مصلحة الفرد ذاته لا تتحقق بالإباحية المطلقة، والبهيمية الهائجة. وبعد أن تأكدنا أن الحياة لا تهدف إلى مجرد قضاء الوظائف البيولوجية، ولكنها تهدف إلى الارتفاع بها، لكي تؤدّى على نسق جميل يتسامى عن قيود الضروة.

نترك تلك المستويات الهابطة، لندخل إلى رحاب الإسلام، حيث تهدأ الأعصاب من هياجها الثائر، وتطمئن القلوب من القلق الحائر والتطلع الملهوف.

يعترف الإسلام بالطاقة الجنسية من حيث المبدأ، أصرح اعتراف يمكن أن تصبو إليه الإنسانية! ولكنه لا يعترف بها ضرورة هابطة، ولا خلسة تختلس في الظلام. بل على العكس من ذلك يرفعها ويطهرها، ويسلط عليها النور!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت