الصفحة 135 من 162

أما الطفل الأول فلا شك ستنشأ في نفسه الغيرة من الوافد الجديد، الذي استولى على مملكته السابقة. ولكن هذا شعور يمكن التغلب عليه أو تلطيفه إلى أبعد مدى، أولًا بإشعاره أنه ما زال موضع الرعاية رغم الحادث الجديد، وثانيًا بإيهامه أنه أكبر من هذا الجديد، فهو بذلك أهم منه شأنًا! وثالثًا بتعويده على التوجه بالرعاية إلى أخيه الأصغر بموجب أنه هو أكبر وأقدر! وذلك ريثما تعمل الألفة عملها بين الصغيرين، وتحل فرحة التعاون والتعاطف محل الغيرة والشقاق.

هذا كله يحدث بطريقة محكمة متقنة في جو الأسرة الطبيعي. ولكن أنى له أن يحدث في المحاضن، حيث يشترك عدد من الأطفال ذوي عمر واحد وحاجات متوازية، في أم واحدة، طول الوقت الذي يقضيه الأبوان الحقيقيان في العمل في المصانع، أو الاستمتاع باللذة المحرمة أو غير المحمة في النادي أو الطريق؟

وإن روسيا الشيوعية لهي أشد الأمم محاربة للأسرة ودعاية للمحاضن. ووراء هذه الحرب تكمن شهوة ملحة في مقاومة الفطرة الطبيعية في مسألة الملكية الفردية. فهم يقولون إن نظام الأسرة هو الذي يربي مشاعر الأثرة وحب الملكية لتوريث الأولاد. والنظام الشيوعي يقوم على إلغاء الملكية الفردية. فلا بد -لمقاومة هذه المشاعر ونزع الميل إلى التملك من وجدانات البشر- من محاربة عواطف الأسرة، وجعل الأولاد ملكًا للدولة لا لآبائهم الحقيقيين. يضاف إلى ذلك بطبيعة الحال ضمان إشراف الدولة على الأولاد ليخرجوا شيوعيين مضمونين!

ولكن هذا يؤدي إلى ضررين محققين: أولهما عجز المحاضن عن إمداد الأطفال بحاجتهم النفسية، مما يؤدي إلى تنشئتهم على الصراع المطلق، لا على الحب والتعاطف. أو تنشئتهم كالآلات لا قلب لهم ولا شعور. والثاني أن علاقة الرجل والمرأة، حين تنتزع منها عواطف الأسرة والأطفال، تهبط إلى أن تكون علاقة جسد وشهوة وغريزة، مما يؤدي حتمًا إلى النظر إلى الزواج على أنه قصاصة ورق. فما دامت الدولة تستولي على الأطفال من أي طريق، وما دام الزواج مجرد علاقة جنسية، فما الفارق بين علاقة وعلاقة؟ وما الذي يلزم الزوج والزوجة بلإخلاص، أو الوفاء، الذي يحد من المتعة البهيمية الخالصة؟

ولكن بعض عقلائهم ينفون هذا كله، ويقولون: إن التربية في المحاضن ضرورة لجأت إليها روسيا لتمنع الآباء الجهلاء من إفساد الأطفال بجهالتهم! فعلى هذا الأساس قد نسلم لهم! على أنها ضرورة لجأ إليها جيل، لا على أنها النظام الصالح الأصيل [1] .

ثم نرتقي إلى أفق آخر، ومازلنا بعد لا نمس حديث الأخلاق!

فمن قال: إن الإحساس الجنسي ذاته -بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى كلها- لون واحد ودرجة واحدة؟

هناك الشهوة العارمة التي تتمثل في الجسد الهائج والجوارح الظامئة، والعيون التي تطل منها الرغبة الهائجة المجنونة.

وهناك الشهوة الهادئة المتدبرة، التي تعد العدة في ترتيب وأناة، حتى تظفر بما تريد على مهل ودون استعجال.

وهناك الأشواق الحارة الملتهبة التي تنبع من الجسد، ولكنها تمر في طريقها على القلب، فيصفيها من بعض ما بها من"العكار"ويعطيها قسطًا من"العاطفة"تمتزج بصيحة الجسد الملهوف.

وهناك الأشواق الطائرة المرفرفة التي تنبع من القلب، ولكنها قد تمر في طريقها على الجسد، فيمنحها بعض لهيبه المحرق، وقد يخلط بها بعض العكار، ولكنها تظل محتفظة بكثير من الصفاء.

(1) يقول دعاة الشيوعية: إن روسيا قد ارتدت إلى احترام الأسرة وتقوية روابطها. وسواء كان هذا حقًا أو كان دعاية للترغيب، فهو -كما قلت في هامشة سابقة- اعتراف صريح بمطالب الفطرة الأصيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت